من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠١ - جزاء المشركين
وبالمقارنة بين هاتين الصورتين، صورة الإنسان الذي تتحقق طموحاته كلها في الآخرة وصورة الإنسان الذي يعيش في الدرك الأسفل. هناك، وهو يحسب أنه كان يحسن صنعاً في الدنيا نتوصل إلى معرفة الفرق بين طريق الحق (وهذه نهايته) وطريق الضلال (وتلك عاقبته).
هذه الحقائق هي من كلمات الله التي لا تنفد، وهي المعارف والهدى والتوجيهات التي هي انعكاس عن سنن الله في خلقه للطبيعة والإنسان، ولذلك على الإنسان أن لا يغترّ بعلمه المحدود ويعتقد أنه قد فهم كل شيء، فهذا الغرور هو الذي يسبب اعتقاده بأنه على الصراط المستقيم، بينما الحقيقة عكس ذلك تماماً.
وتنتهي هذه السورة بتلخيص فكرة الاستفادة من فيض هذه الكلمات التي لا تنفد ولو كان البحر مداداً لكتابتها، وهي عبادة الإنسان لله، وإخلاص طاعته له، والعمل برجاء لقائه.
بينات من الآيات
[١٠٢] أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إن أكثر الكفر لا يكون بإنكار وجود الله ذاته، وإنما يتخذ صوراً أخرى ومن أهمها: إنكار ولاية الله وحاكميته التشريعية على البشر، فنجد كثيراً من الكفار في الأزمنة السابقة وهكذا في زماننا الحاضر يقرون بأن الله هو خالق السماوات والأرض وكل ما فيهما، ولكنهم يضعون تشريعات من عندهم لإدارة حياتهم اجتماعياً، وسياسياً، واقتصادياً، وغير ذلك بزعم أن الله لم ينزل تشريعاً سماوياً عليهم، بل تركهم في هذه الحياة سدى.
إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا إن زعم هؤلاء لا يقوم على حجة سليمة ولا على دليل مقنع، بل إن كل الحجج والأدلة المنطقية تناقضه وتؤيد ما هو ضده، ولذلك فإنهم بهذا يعرضون أنفسهم لسخط الرب الذي أعدَّ لهم مكاناً يليق بهم وهو جهنم.
الأخسرون أعمالا
[١٠٣- ١٠٤] قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً قديماً حينما كانوا يريدون التأكد من جنون شخص كانوا يحضرون له برميلًا بلا قعر، ويطلبون منه أن يملأه ماء، فإن كان عاقلًا امتنع عن ذلك، وإن كان مجنوناً فإنه يشرع في العمل بجد.
والأخسرون أعمالا هم كهذا المجنون، يبذلون مساعيهم وجهودهم في الحياة ثم لا