من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٢ - وقالوا اتخذ الرحمن ولدا
الشفاعة الباطلة
[٨٨] ثم يعود القرآن- بعد ذلك- لينسف فكرة الشفاعة الباطلة فيقول وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً إنما قالوا ذلك ليكرّسوا فكرة الشفاعة إذ إنهم يقولون: لأننا أولاد الله، أو أبناء المتقين، فسوف ندخل الجنة ولا يعذبنا الله شيئاً!.
والقرآن ينفي هذه الفكرة أساساً فيقول
[٨٩] لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً أي إن فكرتكم هذه كذب عظيم، فالله هو الذي خلق السماوات والأرض، وخلق المنظومات الشمسية والمجرات والفضاء اللامتناهي، ولو كان له ولد سبحانه، لوجب أن يكون ولده بمستواه سبحانه.
[٩٠] تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً السماوات والأرض والجبال لا تتحمل تلك الكذبة المبتدعة، والقرآن الحكيم يعطينا هذه الصورة ليوضِّح لنا: بأن هذه الكلمة ليست صغيرة في مقياس الحق، فالذي خلق السماوات التي لا يمكن أن تحصى نجومها، والذي خلق الأرض الواسعة، هل يمكن أن يتخذ ولداً؟!.
إن هذه فكرة غير متناسبة وعظمته سبحانه، ولا مع أية قيمة من قيم الفكر، وأي مقياس من مقاييس العقل!!.
ولعلَّ هناك إيحاءً آخر في هذه الآية، هو: أن الكذبة الكبيرة هذه، قد سببت جرائم كبيرة، بحجم تفطر السماوات وانشقاق الأرض، وهدّ الجبال، مثل الجرائم التي قامت بها النازيّة في العالم، أو التي قام بها العنصريون في جنوب إفريقيا، وحتى الجرائم التي تقوم بها الدول الكبرى في العالم. وكلها، حين نبحث عن جذورها، نجد أنها تنمو من أرض العنصرية الخبيثة، حيث إنها ناشئة من تمحور الإنسان حول ذاته، واعتقاده بأنه أفضل من نظائره.
انظر- مثلًا- إلى الأفكار العنصرية التي زعمت بأن الحضارة، إنما تنشأ من العنصر الآري؛ لأنه العنصر الذي خلقه الله بشكل أفضل، هذه السفاهة التي انتشرت بعد الثورة الفرنسية، والتزم بها بعض النبلاء والأشراف، وتورط فيها بعض علماء الاجتماع والتأريخ، علماً بأن الآريين لم يخلقوا الحضارة أصلًا في أي فترة من فترات التاريخ، وغاية ما في الأمر أنهم كانوا أسلاف اليونان الذين صنعوا الحضارة في التاريخ، ومن بين إحدى وعشرين حضارة نشأت في العالم، فإنَّ هذه واحدة منها فقط أما العشرون الباقية فهي غير أوربية، وإنما الأوربيون استفادوا منها، كما أنهم قد اقتبسوا من الحضارة الإسلامية كثيراً.