من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٧ - كيف نتحدى التمني بالذكر؟
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فهو يحيط علما بمكر الشيطان ويبطله بحكمته.
ومن المفارقات الغريبة أننا نجد تلفيقات من إلقاءات الشيطان حول هذه الآية.
حيث جاء في بعض الأخبار المروية: أنَّ رسول الله صلى الله عليه واله جلس في أحد نوادي مكة، وق- رأ على المشركين سورة (النجم) حتى إذا بلغ قوله تعالى أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم: ١٩- ٢٠]. أضاف إليها: وإنهن لهن الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى ومضى في قراءة السورة حتى انتهى إلى السجدة في آخرها فسجد وسجد المشركون معه، ولم يتخلف منهم أحد، فأعلنت قريش رضاها!.
وفي بعض الروايات أنَّ رسول الله صلى الله عليه واله كان يقرأ سورة النجم في الصلاة، فعندما كان يقرؤها فإذا بأحد خلفه يردد آيات الغرانيق فرددها الرسول عدة مرات على غفلة منه، فنزلت هذه الآية.
وإنَّ هذه الرواية وأمثالها لا تحتمل التصديق لأن سورة النجم نزلت في مكة وسورة الحج نزلت في المدينة، عوضاً عن أن الرسول يعلم علم اليقين أن سورة النجم التي تحتوي على سجدة واجبة لا تقرأ في الصلاة.
المهم جاءت هذه الآية لتؤكد بأنَّ شفاعة هذه الغرانيق لا ترتجى، وأن هذه القصة ليس سوى أمنيات ألقاها الشيطان ليختبر بها الله عباده المؤمنين، فما هي إلا أسطورة لا أكثر ولا أقل. لأن الرسول أرفع من أن ينزل إلى مستوى الجهل بأهم أصل من أصول رسالته، الذي يعتبر الركيزة الأولى التي قام عليها الدين بأكمله وهي التوحيد، بالإضافة الى أنَّ رسل الله معصومون عن الذنب، والخطأ والسهو النسيان وبالذات رسول الله محمد خاتم النبيين صلى الله عليه واله الذي يقول عنه الرب سبحانه وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. إنَّ هذه الآية نقرؤها في سورة النجم بالذات التي نسجت حولها هذه الأسطورة ثم هل من الممكن أن نتصور رسولًا يبعثه الله لإبلاغ رسالة التوحيد ثم ينسى هذه الحقيقة، ويبدلها بخرافة الشرك؟!.
إنَّ هذا الحديث إنما تقوَّله الجاهليون الحاقدون على الرسول نكاية به، وتناقله الجاهلون الذين لم يعرفوا رسول الله بل لم يعرفوا رسالات الله.
ولو افترضنا- جدلًا- صحة هذه الرواية فلابد أن يكون هذا الكلام من إلقاءات الشيطان في قلوب المشركين، التي أضافوها إلى الآيات، وأشاعوها بين الناس، ليشبهوا على الناس، إلا أنَّ الله سبحانه- الذي وعد بحفظ القرآن عن عبث العابثين وتحريف المبطلين-