من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٣ - وما أعجلك عن قومك يا موسى
[٨٥] وكان غياب موسى قد ترك فرصة مناسبة للآنتهازيين أن يسعوا إلى مصالحهم.
قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُ يبدو أن السامري كان منافقاً، وكان يتحين الفرص للقفز إلى أريكة الحكم، وكانت مجموعة من الانتهازيين وضعفاء النفوس ملتفين حوله، ولعلهم كانوا يتآمرون مع بعضهم ضد القيادة الرسالية.
والآن حيث تأخر موسى عليه السلام وظنوا أنه قد أدركته الوفاة، بادروا إلى الفتنة، لكي يبعدوا الخليفة الشرعي لموسى، وهو هارون عليه السلام عن السلطة، فأشاع السامري فيهم أن موسى قد مات، وصنع لهم العجل كرمز لسلطته، وأمرهم بعبادته، مستغلًا حب بني إسرائيل للذهب ورواسب الشرك عندهم، أو ليسوا قد طالبوا نبيهم بأن يجعل لهم إلهاً حين مروا بقوم يعبدون الصنم؟
ولعلَّ ذلك كان ضرورة حضارية، حيث إن موسى عليه السلام قضى على جيوب الفساد عند بني إسرائيل بعد هذه الفتنة، ولو لم تقع الفتنة فربما كان السامري وقومه ينجحون في مؤامرتهم بعد وفاة موسى عليه السلام.
أما الآن فقد افتضح السامري، وعاد موسى بكل ما تميَّز به من الحزم والشدة في الله.
[٨٦] فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً غضبان عليهم، أسفاً مما حدث.
قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً كالرجوع إلى الأرض المقدسة، والجانب الأيمن من الطور، والبركة، وأن يقيم حضارتكم إن أنتم استقمتم؟! أَفَطَالَ عَلَيْكُمْ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي
بالطبع لم يكن بنو إسرائيل يتحدون الله حتى ينزل عليهم غضبه، ولكن اتباعهم السامري هو الاسترسال مع الظروف والشهوات، وهذا يدل على أن البشر بأنفسهم وبمحض إرادتهم يختارون نوع واقعهم ومصيرهم، والذي يتجسد هنا بغضب الله.
[٨٧] قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا أي لم ننحرف بكامل وعينا، وبما نملكه من عقل وإرادة وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا هذا الانحراف جاء من غيرنا، فالسامري هو الذي جمع لنا الذهب والفضة التي جمعناها من القوم وحملناها وصنع لنا بها عجلًا، والواقع أنهم حاولوا بذلك تبرير واقعهم الفاسد ورفع المسؤولية عن أنفسهم.
فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُ رأس الفئة الانتهازية التي عادة ما تكون موجودة في المجتمعات، والآية الآتية تشير إلى أن المتورط في عملية الإضلال ليس السامري وحده، بل