من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٣ - وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين
يد الرحمة
[٦٩] قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ حينما قال الله سبحانه وتعالى يَا نَارُ كُونِي بَرْداً أخذ إبراهيم يرتجف من شدة البرد، ولكن سرعان ما قال ربنا وَسَلاماً فاعتدلت درجة الحرارة وقد جاءت قصة مفصلة في تفسير علي بن إبراهيم نذكرها فيما يلي لمزيد العبر التي فيها: تقول الرواية- فيما تقول-
[فَحَبَسَ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام وَجَمَعَ لَهُ الْحَطَبَ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي أَلْقَى فِيهِ نُمْرُودُ إِبْرَاهِيمَ فِي النَّارِ بَرَزَ نُمْرُودُ وَجُنُودُهُ وَقَدْ كَانَ بُنِيَ لِنُمْرُودَ بِنَاءٌ يَنْظُرُ مِنْهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ كَيْفَ تَأْخُذُهُ النَّارُ فَجَاءَ إِبْلِيسُ وَاتَّخَذَ لَهُمُ الْمَنْجَنِيقَ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَتَقَارَبَ مِنَ النَّارِ وَكَانَ الطَّائِرُ إِذَا مَرَّ فِي الْهَوَاءِ يَحْتَرِقُ. فَوُضِعَ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام فِي الْمَنْجَنِيقِ وَجَاءَ أَبُوهُ فَلَطَمَهُ لَطْمَةً، وَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ عَمَّا أَنْتَ عَلَيْهِ وَأَنْزَلَ الرَّبُّ [مَلَائِكَتَهُ] إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ إِلَّا طَلَبَ إِلَى رَبِّهِ، وَقَالَتِ الْأَرْضُ: يَا رَبِّ لَيْسَ عَلَى ظَهْرِي أَحَدٌ يَعْبُدُكَ غَيْرُهُ فَيُحْرَقُ؟!. وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَارَبِّ خَلِيلُكَ إِبْرَاهِيمُ يُحْرَقُ!. فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَمَا إِنَّهُ إِنْ دَعَانِي كَفَيْتُهُ، وَقَالَ جَبْرَئِيلُ: يَا رَبِّ خَلِيلُكَ إِبْرَاهِيمُ لَيْسَ فِي الْأَرْضِ أَحَدٌ يَعْبُدُكَ غَيْرُهُ سَلَّطْتَ عَلَيْهِ عَدُوَّهُ يُحْرِقُهُ بِالنَّارِ؟!. فَقَالَ: اسْكُتْ إِنَّمَا يَقُولُ هَذَا عَبْدٌ مِثْلُكَ يَخَافُ الْفَوْتَ، هُوَ عَبْدِي آخُذُهُ إِذَا شِئْتُ، فَإِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ.
فَدَعَا إِبْرَاهِيمُ عليه السلام رَبَّهُ بِسُورَةِ الْإِخْلَاصِ
[يَا اللهُ يَا وَاحِدُ يَا أَحَدُ يَا صَمَدُ يَا مَنْ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ نَجِّنِي مِنَ النَّارِ بِرَحْمَتِكَ]
. قَالَ: فَالْتَقَى مَعَهُ جَبْرَئِيلُ فِي الْهَوَاءِ وَقَدْ وُضِعَ فِي الْمَنْجَنِيقِ، فَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ هَلْ لَكَ إِلَيَّ مِنْ حَاجَةٍ؟. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا وَأَمَّا إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَنَعَمْ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ خَاتَماً عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله، أَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَى الله، وَأَسْنَدْتُ أَمْرِي إِلَى الله، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَى الله، فَأَوْحَى اللهُ إِلَى النَّارِ
يَا نَارُ كُونِي بَرْداً- فَاضْطَرَبَتْ أَسْنَانُ إِبْرَاهِيمَ مِنَ الْبَرْدِ حَتَّى قَالَ:- وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ
وَانْحَطَّ جَبْرَئِيلُ وَجَلَسَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ فِي النَّارِ وَنَظَرَ إِلَيْهِ نُمْرُودُ فَقَالَ: مَنِ اتَّخَذَ إِلَهاً فَلْيَتَّخِذْ مِثْلَ إِلَهِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَاءِ أَصْحَابِ نُمْرُودَ: إِنِّي عَزَمْتُ عَلَى النَّارِ أَنْ لَا تُحْرِقَهُ فَخَرَجَ عَمُودٌ مِنَ النَّارِ نَحْوَ الرَّجُلِ فَأَحْرَقَهُ، وَنَظَرَ نُمْرُودُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ فِي النَّارِ مَعَ شَيْخٍ يُحَدِّثُهُ فَقَالَ لِآزَرَ: يَا آزَرُ مَا أَكْرَمَ ابْنَكَ عَلَى رَبِّهِ] [١].
[٧٠] وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمْ الأَخْسَرِينَ هذه عبرة لي ولك، تحد الطاغوت وتحد المجتمع الفاسد المنحرف، وتحد الأصنام التي تعبد من دون الله، وفي لحظة المواجهة تدركك رحمة الله سبحانه، فلا تخف، لأنَّ أهم شيء يربطك بعجلة الانحراف هو حبائل الخوف وأغلال الرهبة، فاقطع هذه الحبال وتلك الأغلال حتى تتحرر، وتكون أنت الفائز وأعداؤك الأخسرون.
[١] تفسير القمي: ج ٢ ص ٧٢، بحار الأنوار: ج ١٢ ص ٣١.