من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٤ - فهب لي من لدنك وليا
نرزقك ولداً، يحمل مواصفاتك، ورسالتك، وسوف يقوم بعمل جديد لم يسبقه إليه أحد، وهذا منتهى رغبة الإنسان في الولد: أن يكون وارثاً له ومكّملًا لخطه، فإذا قام بعمل إسلامي ولم ينتصر فيه، فإن ابنه يواصل هذا العمل، بنفس الاندفاع والحماس الذي كان عنده حتى يكتب له النصر، وكان زكريا وارث أموال كثيرة عبر زوجته التي كانت من نسل النبي سليمان (الذي وهب له الله ملكاً عظيماً، ولم يكن له مثيل)، وكان يخشى على هذه الأموال أن تصرف في أي طريق غير طريق الله، وكان في ذات الوقت الحبر الأعظم، وخشي أن يرثه في هذا المقام الديني واحد من أولاد عمه غير اللائقين بمقام قيادة الأمة.
وقد استجاب الله له دعاءه، وآتاه من لدنه فضلًا حيث رزقه يحيى. ذلك الولي الذي ليس فقط ورث أمجاد الماضي التليد، بل ويفتح عهداً جديداً حافلًا بالمكرمات، إذ لم يجعل الله له سمياً، ولعل في الآية إشارة إلى أمرين
أولًا: إن يحيى عليه السلام سوف يحقق المزيد من الإنجازات، لا توجد في التاريخ الرسالي السابق له، بلى؛ إن يحيى قاوم السلطات الجائرة التي استولت على قيادة النصارى، وضحى بنفسه في هذا السبيل، وكان مثله بين أتباع عيسى عليه السلام مثل الإمام الحسين عليه السلام في أمة جده محمد صلى الله عليه واله.
ثانياً: إن على الإنسان أن يتطلع إلى ولد يرث الماضي، ويصنع المستقبل كما يحيى عليه السلام.
[٨] قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنْ الْكِبَرِ عِتِيّاً كيف يكون لي ولد، بينما الشروط الطبيعية اللازمة غير متوفرة، فامرأتي عاقر لا تلد أساساً، وأنا عجوز قد تجاوزت مرحلة الفتوة والشباب كثيرا؟!.
[٩] قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ فالله عز وجل الذي خلق الكون كما خلق القوانين الطبيعية الحاكمة فيه، وهو قادر على تغييرها حين يشاء بلا صعوبة.
وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً حينما يفكر الإنسان في نفسه: كيف خلقه الله وأوجده من العدم؟! فإنه يدرك أن الله على كل شيء قدير، وبالتالي يتلاشى تعجبه من بعض الظواهر الغريبة غير المألوفة. فلما سكن روع زكريا، واطمأنت نفسه قال: آمنت بك، ولكن كيف أواجه الناس إذا قالوا: من أين أتت هذه الأسرة العجوز بهذا الولد؟!.
حكمة الاعتزال
[١٠] قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً عادةً ما تكون الآية وجودية كناقة صالح، وعصا موسى، أما أن يعتزل الناس ولا يتكلم معهم