من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٢ - فهب لي من لدنك وليا
وكان فيها بيان الحاجة الملحة التي هي الأخرى تدل على مدى الالتجاء إلى كهف الدعاء.
ولقد اشتعل رأسه شيبا؛ وهكذا كان بحاجة إلى من يرث الرسالة التي ولِهَ بها حباً. ولكن دعاء العارف الشاكر إنما هو بعد الثناء على الله سبحانه؛ وكيف أنه تعالى قد أسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فلم يكن بدعائه شقيا بعدئذ دعا ربه ..
وهكذا توافرت شروط كثيرة للاستجابة؛ وهي عبرة هنا لنا كيف ندعو ربنا بحيث يكون اقرب إلى الإجابة.
بينات من الآيات
دعاء زكريا عليه السلام
[١] كهيعص اختلف المفسرون في هذه الحروف وما ترمز إليه، وربما كانت إشارة إلى الألفاظ التي تدل على الذكر أو الحديث الذي كان زكريا عليه السلام يناجي به ربه، وجاء في حديث أن هذه الكلمات رموز إلى أسماء الله الحسنى، فقد روى سفيان بن سعيد الثوري عن الإمام الصادق عليه السلام- حديثا مفصلا جاء فيه-: [كهيعص
: مَعْنَاهُ أَنَا الْكَافِي الْهَادِي الْوَلِيُّ الْعَالِمُ الصَّادِقُ الْوَعْدِ] [١].
[٢] ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا بين الإنسان وربه خطّان
١- خط صاعد: هو: الدعاء.
٢- خط نازل: هو: الوحي السماوي.
وحسب ما أتصوره فإن هذه الآية تشير إلى كلا الخطّين، فمن جهة ذكر الله لعبده عن طريق الوحي أو الكتاب السماوي، ومن جهة ثانية ذكر زكريا ربه طالباً رحمته عن طريق الدعاء، وقد قال المفسرون في معنى هذه الجملة: [اذكر كيف رحم الله عبده زكريا] وبتعبير آخر: هذا ذكر عن رحمة الله لعبده زكريا.
[٣] إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً في غمرة الأحداث الرسالية، والصراعات المبدئية، لم ينس أن له شعوراً آخر هو الشعور الإنساني، وأنّ له رغبة أخرى هي رغبته في الامتداد عبر الأولاد، يحملون رسالته من بعده، فقد كبت هذا الشعور طويلًا، وحينما أظهره كان خفياً، ربّما لسببين
[١] بحار الأنوار: ج ٨٩، ص ٣٧٣.