من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٩ - المسؤولية بين التذكر والنسيان
المخلوقات، التي تخضع لله خضوعاً قهرياً تكوينياً.
وهذه المسؤولية بحاجة إلى التذكير بها، وإن كان الإنسان بطبعه وفطرته يشعر بالمسؤولية، ولكنه ربما أنسته إياها ضغوط الحياة، ووساوس الشيطان فيها، ومشاكلها، فهو بحاجة إلى تذكير مستمر ليقاوم كل ذلك.
وهكذا جاء القرآن الحكيم تذكيراً للإنسان بمسؤوليته، وثمة عامل آخر يجعل الإنسان ذاكراً لا ينسى، وهو العزم والإرادة، وفي هذه الآيات يذكِّرنا الله تعالى بأن آدم لم يكن من أولي العزم حيث نسي عهد الله إليه وأخرج، ولم يخرج آدم من الجنة، التي وفرَّ الله له ولزوجه فيها الطعام واللباس والشراب والسكن، إلا بسبب إثارة الشيطان لغريزتي حب الخلود وحب السلطة، فلما اتبع إبليس، تجرَّد من لباس الجنة (حيث جرَّد نفسه من لباس التقوى) وأضحى عاصياً وقد غوى، إلا أن الله فتح أمامه باب التوبة فاجتباه وهداه.
وفي نهاية الدرس بشارة بأن وراء هبوط الإنسان إلى الأرض بالذنب، التوبة التي هي معراجه إلى الجنة.
بينات من الآيات
[١١١]* وَعَنَتْ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ عنت أي خضعت خضوعاً ذليلًا، أما الوجوه فهي المظهر البارز من الإنسان، وحينما تقول توجهت أي جعلت كل أبعاد حياتي في هذا الطريق، فعنت الوجوه بمعنى خضعت أبعاد حياة الإنسان للحي القيوم، بلى هذا الوجه الضعيف الفاني، حق له أن يخضع لذلك الوجه الحي القيوم ..
هكذا نقرأ في الدعاء
[سَجَدَ وَجْهِيَ الذَّلِيلُ لِوَجْهِكَ الْعَزِيزِ الْجَلِيلُ، سَجَدَ وَجْهِيَ الْبَالِي الْفَانِي لِوَجْهِكَ الدَّائِمِ الْبَاقِي، سَجَدَ وَجْهِي الْفَقِيرُ لِوَجْهِكَ الْغِنَى الْكَبِيرُ، سَجَدَ وَجْهِي وَسَمْعِي وَلَحْمِي وَدَمِي وَجَلَدِي وَعَظْمِي وَمَا أَقَلَّتِ الْأَرْضُ مِنِّي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ] [١].
ولعلَّ اسمي الحي والقيوم يجمعان أسماء الله الحسنى.
وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً الخيبة هي الفشل، والذي يخيب هو الذي لا يصل إلى هدفه، والظلم حمل ثقيل على كاهل الإنسان يتجلى في صور سلبية شتى في الدنيا، كعدم التوفيق والفشل و .. و .. أما في الآخرة فيتجلى في صورة العذاب المهين، وهذا خلاف ما ينتظره الإنسان
[١] البلد الأمين: ص ٣٣١ من دعاء الجوشن الكبير.