من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٨ - وإن منكم إلا واردها ثم ننجي الذين اتقوا
فكما أن الشياطين كانوا يغوون الإنسان ويضلونه في الدنيا، فهم في الآخرة يقومون بدور تعذيبه، فالشيطان كان يتبعه في الدنيا (يظلمه ويؤذيه ويجرح كبرياءه) وأنه يراه يوم القيامة أمامه يتلقاه بالصفع والضرب، والشيطان الذي كان في قلبه يدفعه إلى اتّباع الشهوات ولم يره ولم يشاهد صورته هنا، ولكنه سيأتي في يوم القيامة بأقبح وجه وأول عمل يقوم به اللعين هو أن يبصق في وجهه ويقول للإنسان: ماذا جنيت عندما اتبعتني، فبئس المصير مصيرك، فيقول له: لقد اتبعتك فخلصني من النار، فيجيبه: دعني أخلص نفسي أولًا!.
إذن فعلاقاتنا السيئة في الدنيا مع الشياطين (شياطين الجن والإنس) ستستمر إلى الآخرة ويصبح هؤلاء- إن لم نتب- قرناء لنا في الآخرة منذ المطلع وإلى دخول النار، والعياذ بالله. القرآن الحكيم يقول فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ أي لنبعثنهم محشورين مع شياطينهم الذين اتبعوهم.
ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً يحشر الله الناس حول جهنم جاثمين على ركبهم، ذلك أنهم لا يستطيعون أن يقفوا على أقدامهم من شدة الخوف؛ إذ يمنعهم الزحام الشديد من الاستلقاء أو اتخاذ جلسة مريحة، ولذلك هم يضطرون إلى اتخاذ وضع الجثو على ركبهم وفي ذلك مزيد من العذاب لهم.
[٦٩] ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً في يوم القيامة، يشير الله إلى إمام المجرمين فيعزله، ليكون قائداً لأتباعه إلى النار.
والشيعة: كل مجموعة يشايعون أحداً ويتبعونه.
[٧٠] ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً من الذين يكونون أولى بدخول نار جهنم؟ إنهم أئمة الضلال وقادة الأنظمة الجائرة والفاسدة، فهم أول من يدخلها، ثم يتبعهم شيعتهم الأقرب فالأقرب، الملك أولًا ثم رئيس الوزراء، ثم الوزراء ثم الموظفون، وهكذا حسب درجاتهم في الدنيا واتباعهم للإمام الظالم، فإنهم يوم القيامة أيضاً يتبعونه إلى نار جهنم.
[٧١] وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كل واحد منكم سيرد نار جهنم كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً إن هذا حتم قطعه الله على نفسه، فكما أن كل إنسان يدخل الدنيا ليمتحن فيها، كذلك كل إنسان يدخل النار في الآخرة وعليه أن ينقذ نفسه بما قدَّم من أعمال صالحة في الدنيا، ولقد جاء في حديث عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه واله، قال
[يَرِدُ النَّاسُ النَّارَ ثُمَّ يَصْدُرُونَ بِأَعْمَالِهِمْ فَأَوَّلُهُمْ كَلَمْعِ الْبَرْقِ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ ثُمَّ كَحُضْرِ الْفَرَسِ ثُمَّ كَالرَّاكِبِ ثُمَّ كَشَدِّ الرَّجُلِ ثُمَّ كَمَشْيِهِ][١].
[١] بحار الأنوار: ج ٨، ص ٢٤٩.