من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٤ - الإنسان بين تأليه المادة وعبادة الل - ه
وَأَعَزُّ نَفَراً.
[٣٥] وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ إن ظلمه لنفسه هو في اغتراره بزينة الدنيا الذي جره للتعالي على الآخرين، واعتقاده أنه ما دام يملك المال فهو يملك الرجال.
قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً هذه هي العلاقة الخاطئة بين الإنسان والطبيعة، وهي علاقة الاعتماد عليها والركون إليها وكأن الطبيعة خالدة له.
[٣٦] وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً في البداية اغتر بنفسه وقال: أنا اكثر منك مالًا وأعز نفراً، ثم ظلم نفسه باعتقاده أن الجنة خالدة له، ثم أنكر المعاد، ووصل إلى نهاية دركات الهبوط حينما اعتقد بأن الله، والدين، والرسالة، وكل القيم إنما هي في جيبه.
إن الإنسان يظل صالحاً للهداية ما بقيت في نفسه جذوة الإيمان، وما دام يعتقد أن عمله قد يكون خاطئاً ولا يرضى الله عنه، أما حينما يعتقد بأن الله والدين تابعان له، ويأخذ يبرر أعماله ببعض الأفكار الخاطئة، فآنئذٍ لا تترجى له الهداية، فأنه يتحول من إنسان إلى ما هو أحط من الحيوان. وذلك حين يقول وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً اعتقد صاحب الجنتين أنه ما دام الله قد أعطاه تلك الجنتين وفيهما نخل وأعناب وزرع، وأفاض عليه الخير في الدنيا، إذن ففي الآخرة سوف يعطيه أكثر، وذلك استنادا على معادلة خاطئة وهي: أن العطاء في الدنيا دليل رشاد وهداية وفي هذه بالضبط هلاك الإنسان وخسارته الأكيدة، إذ أن بسط الله للرزق وتقديره له، إنما هو لامتحان العباد وليس للتكريم أو الإهانة.
ولعل التدرج دليل التيه الذي سقط فيه هذا المفهوم بالدنيا وزينتها، فهو لا يملك بصيرة واضحة عن الآخرة قال الله سبحانه بَلْ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ [النمل: ٦٦].
كيف نجبر ضعف الذات؟
[٣٧] قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا هل وصل بك الحال أن تكفر بالله؟ وأنت تعلم علم اليقين كيف أنه خلقك أطواراً فقدرك، وإنك لا تستطيع أن تعتمد على نفسك وقدراتك، فكيف تعتمد على الجنة الخارجية التي هي نتيجة قدراتك ومكسب طاقاتك؟.
لقد كنت تراباً، ثم أصبحت نطفة، ثم استويت رجلًا، أي أنك كائن تطرأ عليه التغيرات ولست على حال ثابتة، وأنت معرض لكل الإحتمالات والأخطار، فمثلك ينبغي أن يعتمد على ركن ثابت شديد لا يطرأ عليه التغير، ولا تجوز عليه الإحتمالات وهو الله، لا أن تعتمد على