من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٢ - الباقيات الصالحات خير عند ربك
عليهم، فيكفرون بعبادتهم، وينقلبون ضدهم. إن الشياطين يثيرون الكافرين، ويسوقونهم نحو الضلالة، فلا تعجل في طلب العقوبة لهم. إذ إن استمرار ضلالتهم وكفرهم سيكون سبباً لمزيد العقاب عليهم. هكذا ينبغي أن يتقي البشر الاعتماد على المال والولد والآلهة، وتكون صلته بالله هي الاسمى والأعلى والأمتن.
بينات من الآيات
[٧٦] بما أن آيات الذكر لا تسدي إلينا الوصايا والمواعظ فحسب، بل تعالج بعمق الانحرافات النفسية التي تجعل الإنسان يتورط في علاقات شاذة مع زينة الحياة الدنيا، من مال وولد، سواء بالغرور بها أو بالاستسلام لها من دون إرادة أو تفكير، وهكذا يؤكد السياق هنا أن (قرار) الاهتداء إلى الله من مسؤولية البشر، فعليه أن يخطو إلى ربه الخطوة الأولى. حيث سيتولاه الله بعدئذٍ برحمته فيزيده هدى.
وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وليس على الإنسان أن يلاحظ لحظاته الحاضرة فقط، وإنما ينظر بعيداً إلى المستقبل، وماذا يجب أن يعمل فيه.
إن الأعمال الحسنة بالرغم من أنها قد تبدو ضائعة في بادئ الرأي، إلا أنها باقية، وستعود إلى صاحبها بصورة مضاعفة، لذلك نجد القرآن الحكيم يقول، عن الباقيات الصالحات، وَخَيْرٌ مَرَدّاً أي إنها ترد إليك أضعافاً مضاعفة بعد أن تزكو وتنمو.
وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً فجزاؤه أفضل، وعاقبته أحسن.
بلى إن كل فعل صالح تقوم به اليوم يصبح غداً جنات واسعة تعيش فيها بإذن الله خالداً. حتى الكلمات التي يلهج بها اللسان، وقد يستهين بقدرها المرء تصبح موادَّ أولية لبناء قصوره في الجنة.
جاء في حديث مأثور عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام عن جده الأكرم محمد صلى الله عليه واله أنه قال
[لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ فِيهَا قيعان [١] [قِيعَاناً] وَرَأَيْتُ فِيهَا مَلَائِكَةً يَبْنُونَ لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَ لَبِنَةً مِنْ فِضَّةٍ وَرُبَّمَا أَمْسَكُوا. فَقُلْتُ لَهُمْ: مَا بَالُكُمْ قَدْ أَمْسَكْتُمْ. فَقَالُوا: حَتَّى تَجِيئَنَا النَّفَقَةُ فَقُلْتُ وَمَا نَفَقَتُكُمْ قَالُوا قَوْلُ الْمُؤْمِنِ سُبْحَانَ الله وَالْحَمْدُ لله وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله وَالله أَكْبَرُ فَإِذَا قَالَ بَنَيْنَا وَ إِذَا أَمْسَكَ أَمْسَكْنَا][٢].
[١] أي أراضي بيضاء.
[٢] بحار الأنوار: ج ٨ ص ١٧٦.