من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦٨ - من هم المؤمنون
يرونه في ذواتهم من كمال وعصمة، بينما يرحب أولئك بكل انتقاد بناء. حيث إنهم يتهمون أنفسهم بالتقصير، فلعلَّهم أخطؤوا أو غفلوا، ومحور هذه المقارنة هو الخشية عند فريق دون الفريق الآخر، فكلما عمل المؤمنون لا تزال فيهم بقية إرادة، وعزيمة خشية التقصير، و أنهم لما يفكوا رقابهم من النار.
جاء في نهج البلاغة عن الإمام علي عليه السلام وهو يصف المؤمنين
[فَلَوْ رَخَّصَ اللهُ فِي الْكِبْرِ لِأَحَدٍ، مِنْ عِبَادِهِ لَرَخَّصَ فِيهِ لِخَاصَّةِ أَنْبِيَائِهِ، وَأَوْلِيَائِهِ، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَرَّهَ إِلَيْهِمُ التَّكَابُرَ، وَ رَضِيَ لَهُمُ التَّوَاضُعَ، فَأَلْصَقُوا بِالْأَرْضِ خُدُودَهُمْ، وَعَفَّرُوا فِي التُّرَابِ وُجُوهَهُمْ، وَخَفَضُوا أَجْنِحَتَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَكَانُوا قَوْماً مُسْتَضْعَفِينَ قَدِ اخْتَبَرَهُمُ اللهُ بِالْمَخْمَصَةِ، وَابْتَلَاهُمْ بِالْمَجْهَدَةِ، وَامْتَحَنَهُمْ بِالْمَخَاوِفِ، وَمَخَضَهُمْ بِالْمَكَارِهِ، فَلَا تَعْتَبِرُوا الرِّضَى وَالسُّخْطَ بِالْمَالِ وَالْوَلَدِ جَهْلًا بِمَوَاقِعِ الْفِتْنَةِ، وَالِاخْتِبَارِ فِي مَوْضِعِ الْغِنَى وَالِاقْتِدَارِ] [١].
وقد نصح لقمان ابنه فقال له فيما قال
[خَفِ الله عَزَّ وَجَلَّ خِيفَةً لَوْ جِئْتَهُ بِبِرِّ الثَّقَلَيْنِ لَعَذَّبَكَ وَارْجُ الله رَجَاءً لَوْ جِئْتَهُ بِذُنُوبِ الثَّقَلَيْنِ لَرَحِمَكَ] [٢].
ونحن نقرأ في سيرة أولياء الله ما يجعلنا نتصاغر في أنفسنا. أين نحن من واجبنا، وإلى متى نغفل عن مصيرنا، ونحن لا نعلم هل خلقنا للجنة، أم أن عاقبتنا النار؟!.
فهذا زيد بن علي بن الحسين عليه السلام يقصُّ علينا سيرته سعيد بن جبير قال: [قُلْتُ: لِمُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ كَيْفَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ فِي قُلُوبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؟. فَقَالَ: لَا أُحَدِّثُكَ عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَلَكِنْ أُحَدِّثُكَ عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: النَّازِلِيُّ بِالْمَدِينَةِ، قَالَ: صَحِبْتُ زَيْداً مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَكَانَ يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ ثُمَّ يُصَلِّي مَا بَيْنَ الصَّلَاةِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَيُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ وَيُكْثِرُ التَّسْبِيحَ وَيُرَدِّدُ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق: ١٩]، فَصَلَّى بِنَا لَيْلَةً ثُمَّ رَدَّدَ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ فَانْتَبَهْتُ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَيَقُولُ
إِلَهِي عَذَابُ الدُّنْيَا أَيْسَرُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ
، ثُمَّ انْتَحَبَ فَقُمْتُ إِلَيْهِ وَقُلْتُ: يَا ابْنَ رَسُولِ الله لَقَدْ جَزِعْتَ فِي لَيْلَتِكَ هَذِهِ جَزَعاً مَا كُنْتُ أَعْرِفُهُ!. قَالَ
وَيْحَكَ يَا نَازِلِيُّ إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ وَأَنَا فِي سُجُودِي إِذْ رُفِعَ لِي زُمْرَةٌ مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ مَا رَأَتْهُ الْأَبْصَارُ حَتَّى أَحَاطُوا بِي وَأَنَا سَاجِدٌ. فَقَالَ كَبِيرُهُمُ الَّذِي يَسْمَعُونَ مِنْهُ: أَ هُوَ ذَلِكَ؟، قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: أَبْشِرْ يَازَيْدُ فَإِنَّكَ مَقْتُولٌ فِي الله وَمَصْلُوبٌ وَمَحْرُوقٌ بِالنَّارِ وَلَا تَمَسُّكَ النَّارُ بَعْدَهَا أَبَداً. فَانْتَبَهْتُ وَأَنَا فَزِعٌ وَالله يَا نَازِلِيُّ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُحْرِقْتُ بِالنَّارِ ثُمَّ أُحْرِقْتُ بِالنَّارِ وَأَنَ
[١] نهج البلاغة: خطبة: ١٩٢.
[٢] الكافي: ج ٢ ص ٦٧.