من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٠ - وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين
وكما أن الإنسان حينما تستعبده أصنام التاريخ، أو أصنام المجتمع، فإنه يلاقي جزاءه في الدنيا والآخرة، حيث تتحول تلك الأصنام التي تعبد من دون الله إلى نقمات تحيط به، كذلك فإنَّ الإنسان الذي يتحرر من عبادة الأصنام التأريخية أو البشرية، يبني حياته بشكل سليم ويجازيه الله سبحانه وتعالى جزاءً حسناً.
فهذا إبراهيم قد حطَّم- أولًا وقبل كل شيء- الأصنام التي كانت تستعبد الناس آنئذ، حيث انفصل عن عبادة الآباء، وتحدى ضغوط المجتمع، ولم يكتف بعدم الخضوع لأبيه (آزر) الذي كان يتخذ موقفاً متشدداً، بل حاول أن يجعل أباه يتبعه ويطيعه، لأنه على يقين.
كما تحرر من الخضوع لطاغوت المجتمع، وللسلطة السياسية الفاسدة، بما تملك هذه السلطة من وسائل البطش والارهاب، فكان ذلك الإنسان الذي خلقه الله على الفطرة الإيمانية، وأصبح عبداً مؤمناً صالحاً كما أراده خالقه.
إن الإنسان المتحرر عن عبودية الطاغوت، وعبودية الآباء، وعبودية الشهوات، وسائر العبوديات، يصبح مستقل الشخصية، لا يخضع إلا لخالق الكون العزيز الحكيم، وهكذا بدأ إبراهيم حياته بداية سليمة، فأعطاه الله سبحانه بدل ذلك المجتمع الفاسد مجتمعاً صالحاً، وبدل ذلك الإرهاب والطغيان أمناً وحرية، وبدل ذلك التاريخ الفاسد جعله منطلقاً جديداً لبناء تأريخ صالح.
لقد عوَّضه الله عن كل بلاء صبر عليه بنعمة، فبتحرره من قيد الطاغوت أعطاه الله سبحانه نعمة القيادة وجعله إماماً، وعندما تحرر من قيد المجتمع المشرك أعطاه مجموعة من المؤمنين يتبعونه، وأعطاه الأولاد وجعل ابن خالته لوطاً يتبعه، فأنشأ ذلك المجتمع النظيف. وتحرر من قيد التاريخ المنحرف، فجعله الله سبحانه وتعالى نقطة البدء لتأريخ جديد مجيد، وجعل أولاده أئمة للناس، كما زودهم برسالة متكاملة بإزاء ذلك المنهج الفاسد الذي يتبعه الطاغوت والمجتمع الخاضع له .. برسالة تدعو إلى الخير، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وعبادة الله وحده، دون الخضوع لهذا أو ذاك.
هذا هو بعض ما يمكن أن نستوحيه من هذه الآيات الكريمة.
بينات من الآيات
[٥٩- ٦٠] قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ
من الذي حطم الأصنام؟
لابد إن الذي حطَّمها ظالم لنفسه لأنه عرَّض نفسه لانتقامنا. بلى؛ هناك شخص يدعى