من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٠ - خلق الإنسان من عجل
يحفظنا بنعمه بلائه، وبرحمته عن غضبه. لأنه جل شأنه قد كتب على نفسه الرحمة، والرحمن هو الذي يكلؤنا ولكن نحن لا نقدر هذه النعمة فنكفر به وبآياته ونعرض عن ذكره.
بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ الله هو الذي يربيهم، وهو الذي لا يزال يكمل لهم النعم، وينزل عليهم البركات، ومع ذلك تراهم يكفرون به ويستهزئون برسالاته.
وما دام العذاب الإلهي في الدنيا لا رادع عنه، (إلا من قبل الله نفسه)، ولا أحد من الآلهة المزعومة تقدر على دفعه إن حل بقوم، فلنعرف إن الآلهة ليست بشيء، وإنها لا تضر ولا تنفع، وإنها لا تقدر على دفع عذاب الآخرة أيضاً.
[٤٣] أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا الله لم يقطع عنا أياديه ساعة فلماذا نكفر به؟! إذ لم يعطك أبوك نقوداً، ولم يدعك تنام في البيت، ولم يهتم بك، فسوف تبحث عن صديق أو عن جهة من الجهات تؤمن لك ضرورات حياتك، ولكنَّ الله- والأمثال تضرب ولا تقاس- لم يغلق عليك الأبواب، ولم يبعث عليك العذاب حتى تتركه وتوجه إلى آلهة غيره تؤويك إلى كنفها!
ونقرأ في الأدعية تعابير دقيقة، وفي نفس الوقت مثيرة لأحاسيس الإنسان الفطرية في هذا الاتجاه: فما دام الله سبحانه وتعالى لم يغير عادة الاحسان إلينا، فلماذا نفتش عن غيره؟!. ومادام ربنا قوياً قاهراً فلماذا نخدع أنفسنا بالالتجاء إلى الضعفاء من عباده؟! نقرأ في دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام
[مَاذَا وَجَدَ مَنْ فَقَدَكَ، وَمَا الَّذِي فَقَدَ مَنْ وَجَدَكَ، لَقَدْ خَابَ مَنْ رَضِيَ دُونَكَ بَدَلًا، وَلَقَدْ خَسِرَ مَنْ بَغَى عَنْكَ مُتَحَوَّلًا، كَيْفَ يُرْجَى سِوَاكَ وَأَنْتَ مَا قَطَعْتَ الْإِحْسَانَ، وَكَيْفَ يُطْلَبُ مِنْ غَيْرِكَ وَأَنْتَ مَا بَدَّلْتَ عَادَةَ الِامْتِنَان] [١].
لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ تلك الآلهة لا تستطيع أن تنصر نفسها فكيف تنصر غيرها وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ لا نعتبرهم أصحابنا، لا نعطيهم القوة، ولا هم يمتلكون القوة الذاتية.
[٤٤] بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ إن السبب الذي يزيد في نسيان هؤلاء هو استمرار النعم عليهم، لذلك تراهم مع مرور الزمن وتطاول السنين يتزايد غرورهم، ومع تزايد الغرور تتزايد النقم التي تأتي مع النعم، في سلسلة متوازية.
أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمْ الْغَالِبُونَ في كل يوم
[١] بحارالأنوار: ج ٩٥، ص ٢٢٦.