من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٩ - ووجدوا ما عملوا حاضرا
بيده شيئاً إلا ما قدَّم من عمل، فان كل ما عمل صالحاً، فهو خير ثواباً وخير أملًا، وإلا فجزاؤه جهنم ولا يظلم ربك أحداً. وهكذا يحدد لنا نظرة (مسؤولة) إلى زينة الحياة وأن المراد من تطوراتها هو فتنة البشر وابتلاؤه ليعلم مدى مسؤوليته.
والمث- ل الذي يضربه القرآن عن الحياة الدنيا وزينتها، مستوحى من دورة الربيع، حيث ينزل الماء من السماء فإذا بالنباتات المختلفة تخرج من الأرض، وتجعل الإنسان يزعم بأنها باقية ودائمة، وإذا بأيام الربيع تنقضي ويأتي الصيف فتحرق الشمس اللاهبة كل تلك النباتات، وتحولها إلى هشيم متفتت تذروه الرياح.
فما الذي يبقى بعد كل هذه الدورة؟.
الشيء الوحيد الباقي هو قدرة الله التي تغير ولا تتغير، تلك القدرة التي كانت ولا تزال ولن تزول، وكما تتغير الطبيعة. بفعل تقدير الرب الحكيم. فإن الدنيا كلها تنقلب في كف القدرة الإلهية، وتعود كما بدأت، وتقوم الساعة ويسير الله الجبال على عظمتها، وتبرز الأرض بلا زينة ولا نتوءات. ويحشر الله الناس جميعاً دون استثناء، ويقف الناس مصطفين أمام رب العزة، ويقرر النداء الإلهي واقعهم الضعيف إنهم عادوا كما خلقهم الله لا يملكون أي شيء. وأن هذه هي الساعة التي كفروا بها. وإذا بكتاب أعمالهم موضوع أمامهم يشفق منه المجرمون ويزعمون لأنفسهم الويل لأن الكتاب لم يغادر صغيرة من أفعالهم ولا كبيرة إلا أحصاها.
هكذا تتجلى مسؤولية البشر والتي هي الغاية من زينة الحياة الدنيا.
بينات من الآيات
مثل الدنيا
[٤٥] وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ الماء أنزله الله، فبدل أن نعتمد نحن على الماء، ونبني حضارتنا وقيمنا الفكرية عليه كما فعل الفراعنة، ينبغي أن نعتمد على رب الماء والمهيمن عليه وعلى كل شيء ونبني حضارة إلهية سامية.
فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ أي اختلط نبات الأرض بعضه مع بعض بواسطة الماء، والماء هو الذي جعل هذه النباتات التي كانت بذوراً تحت التراب تنمو وتختلط بقدرة الله، والإنسان يرى وكأن النباتات قائمة بذاتها، ولا يعلم بأن قسماً كبيراً منها يشكله الماء، الذي جاء من السماء، وسوف يغور في الأرض أو يعود إلى السماء ثانية عن طريق التبخر. وهنا لون