من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٤ - نفحات العذاب علائم المسؤولية
جعل فيها من كل مالذ وطاب من النعم، دون أن يشوبها خوف أو حزن، وخلق داراً أخرى للمعاندين، وجعل فيها من كل عذاب أشده وآلمه، دون أن يكون فيها مكان للرحمة أو مجال للنعمة، وخلق داراً ثالثة تجمع صفات تلك الدارين، فيها ضغث من الجنة وضغث من الجحيم، وهي الدنيا، ثم جعل ما فيها من ثواب ونعم شاهداً على ما في تلك الدار من ثواب ونعمة، وما فيها من عقاب ونقمة، شاهداً على مافي الجحيم من أليم العذاب. وهذا هو مضمون حديث مفصل مروي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام.
وفي هذه الآيات يؤكد السياق ذلك، فلكي تعرف إنك مسؤول في الآخرة تدبر في نتائج أعمالك في الدنيا، ولكي تعرف حقيقة العذاب والثواب في الآخرة جربهما في الدنيا.
لذلك تجد الصحابي أبا ذر عليه السلام يذهب إلى الصحراء، يعري جسده، ويلقي بنفسه على الرمضاء حيث تصهره الشمس ويكويه الحصى، ويقول لنفسه يا أبا ذر ذق حرارة الدنيا لكي تبعد نفسك عن نار الآخرة، فإنَّ نار جهنم أِشد حراً. وفي الحديث الشريف
[اذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ وعَطَشِكُمْ فِيهِ
- شهر رمضان-
جُوعَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وعَطَشَهُ] [١].
إن كل ما نواجهه في حياتنا الدنيا من صعوبات ومشاكل ومخاطر، هو نفحة من عذاب الله تذكرنا بحقيقة العذاب الموجود في الآخرة، ويصيبنا إن لم نتبع الفرقان الذي أنزله إلينا ربنا، والذي يفرق لنا بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام، وبين الخير والشر.
وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ أول ما يبدأ عذاب الله عز وجل بالنزول على المعرضين والمعاندين، ينزع عنهم السكرة التي كانت مسيطرة على عقولهم، والتي جعلتهم يغترون بالدنيا الفانية، وعن ذلك يعودون إلى رشدهم، ويقولون لقد عرضنا أنفسنا إلى الهلاك بإرادتنا واختيارنا، حينما فرطنا في المسؤولية، وتهاونا في أداء الأمانة.
[٤٧] وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً تلك كانت النفحة، أما الجزاء فسيجدونه في يوم القيامة حيث الحساب، الدقيق والعسير، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وتعالى الله أن يظلم أحدا شيئاً.
والموازين القسط هم الرجال الربانيون الأنبياء والأوصياء [٢] الذين يتخذ منهم الرب شهداء على الناس، والذين لابد أن يقيس الإنسان أعماله بهم وبنهجهم وسيرتهم.
[١] وسائل الشيعة: ج ١٠ ص ٣١٣.
[٢] في الكافي: ج ١ ص ٤١٩: عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْهَمَذَانِيِّ يَرْفَعُهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ عليه السلام
الْأَنْبِيَاءُ وَالْأَوْصِيَاءُ عليهم السلام]
.