من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢١ - هكذا ينصر الله رسله بالغيب
النعمة والمسؤولية
وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ هناك تفاسير مختلفة وردت في هذه الكلمات لعل أقربها- والله العالم- إن الله سبحانه وتعالى سخَّر لداود عليه السلام الجبال بما فيها من معادن وإمكانات، وسخر له الطيور بما تملك من قدرات على الطيران، فما بال الإنسان يتمرد على ربه، وهو يستخدم المعادن من الجبال، ويسخر الطيور، فيا أيها الإنسان: إن الحديد المسخر لك ليس ملكك إنما هو بيدك لفترة محدودة، وهذه الآلة الحديدية التي تستخدمها قد تأتي يوم القيامة وتقول: إلهي أنت سخرتني لفلان فما فضله علي، فإذا استطعت أن تثبت- يوم القيامة- بأنك كنت إنساناً، وتحملت مسؤوليتك في الحياة فأنت أفضل من الحديد.
إن الطيور والجبال والأشياء كلها لله وليست لنا، ولكن كلما سخرنا الأشياء، كلما ازدادت مسؤوليتنا وكبرت، ويوم القيامة نحاسب حساباً عسيراً. إذا كانت هناك أرض (موات) وكان من الممكن إصلاحها وإستصلاحها بناء أو زراعة أو رعياً أو أي شيء آخر، ولم تصلحها، فإنَّ هذه الأرض قد تأتي يوم القيامة لتشتكي عند الله قائلة: إلهي أنت سخرتني من أجل الناس ولكنهم لم يستفيدوا مني.
إن المسؤولية بالنسبة للإنسان دقيقة وشاملة فهو مسؤول عن كل ما يحيط به، كما هو مسؤول عن نفسه وأهله ومجتمعه.
إن داود لم يكن بالذي يسخر الجبال بقوته الذاتية، والبشر ليسوا بالذين يسخرون الحديد والنار بطاقاتهم الذاتية، بل الله يفعل كل ذلك بقدرته ويسخرها لهم بفضله، فلو نامت البشرية ليلة ثم استيقظت وقد سلب الله منهم العقل لأصبحوا وحوشاً بكماء، فهل يقدرون على شيء من حضارتهم؟ كلا .. ولا تشغيل سيارة أو إنارة مصباح فلماذا لا يشكرون الله بعمل الصالحات، وتحمل المسؤولية؟
[٨٠] وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ اللبوس: كل أداة حربية يلبسها الإنسان من درع وجوشن وغيره، والبأس الحرب.
لقد كانت حركة داود إصلاحية في الأرض، تتطلب صد هجمات الأعداء والمعارضين، ولذلك فقد ألهمه الله طريقة صنع الدروع، وألان له الحديد، وهناك نكتة ظريفة في الآية وهي: إن الله لم يعلمه صناعة آلات حربية هجومية مدمرة، بل اقتصر على الآلات الدفاعية ولعلَّ ذلك يوحي بأن الرسالات الإلهية لا تدعو إلى القتل والدمار ابتداء، وإنما هي تدعو إلى الإصلاح والسلام، ولذلك فهي بحاجة إلى الدفاع عن نفسها في مواجهة أعداء الإسلام والإنسانية.