من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩ - أصحاب الكهف السنة التي تجري
سياسة الطاغوت
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً هذه الآية وآيات أخرى شبيهة تشير إلى أن الطغاة يؤطرون عملهم بإطار القدسية، ويحاولون تضليل الناس وإيهامهم بأن ذلك هو من قبل الله سبحانه وتعالى، ويربطون أنفسهم بطريقة ما بالله وبالمبادئ السامية. في هذه الآية يقول أصحاب الكهف: إن قومهم افتروا على الله الكذب، فقالوا: إن الله هو الذي أمرنا بأن نعبد تلك الآلهة وهو بريء مما يدعون.
تأييد الل- ه
وأخيراً وصل أصحاب الكهف إلى نتيجة وقرروا أن يعتزلوا قومهم في البداية ثم يلتجئوا إلى الكهف ويطلبوا رحمة الله لينصرهم في حركتهم التغييرية الجذرية.
[١٦] وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ من الذي قال لهؤلاء الفتية إنهم إذا اعتزلوا الناس، والتجؤوا إلى الكهف، فانَّ الله سبحانه سينصرهم؟ هل كان هناك رسول يبلغهم؟ كلا .. وإنما كان ذلك من إلهام الفطرة، انه حينما يكون عمله لله العزيز فان الله يريده وينصره.
التأييد الإلهي
وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً أي أن الله سبحانه يهيئ لكم الوسائل لتطبيق برامجكم. صحيح أن الوسائل منقطعة والطرق مسدودة أمامكم الآن، ولكن اعتزلوا الكفار والمشركين، والتجؤوا إلى الكهف وانتظروا رحمة الله فهي آتية لا ريب، وأنه سوف يهيئ لكم السبل الملائمة مادية ومعنوية.
وهكذا نستوحي من هذه الآية الكريمة أسلوباً للنهضة وهو: اعتزال الطغاة وعدم اتباعهم، وانتظار رحمة الله، فلا نكون مستعجلين للحصول على النتيجة، وإنما علينا بالصبر وانتظار الفرج. وكانت الثورات الإلهية تبدأ هكذا عادة: يعتزل شخص أو مجموعة أشخاص، ثم يلحق بهم الآخرون، وتأتيهم الأموال والسلاح والرجال من حيث لم يحتسبوا، وفي ذات الوقت يبدأ الحكم الطاغوتي بالضعف مع الزمن، وتظهر فيه الثغرات فتتهيأ ظروف النصر.