من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٣ - لماذا الامتراء وكيف نزيله؟
ومن له بداية هو الخلق. فلا التقاء ولا ينمحي الفاصل والحجاب الذاتي. وهناك دلائل في القرآن والروايات على ذلك، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى [النجم: ٨- ٩]، فالرسول لم يصل، وكذا في سورة التوحيد وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص: ٤].
إنّ خلقه سبحانه للأشياء هي مجرد الإرادة والمشيئة، فقد خلق الله المشيئة ثم خلق الأشياء بالمشيئة .. يقول كُنْ فَيَكُونُ، وليس لفظة كُنْ تعني التلفظ بها، وإنما هي مجرد الإرادة. وليس خلقه للأشياء عن طريق الممارسة والمعالجة، حتى يخرج شيء من شيء فيسمى بالولادة وإنما عن طريق الآمر والإبداع، إذن فنسبة الأولاد إلى الله خطأ. وإذا صحّت هذه الفكرة فلابد أن تصحّ في الكون كله فنقول بأن السماوات والأرضين وما فيهما أولاد لله، لأنها كلها خرجت من الله- سبحانه- حسب هذا القول الجاهلي، وهذا قول متناقض في ذاته، فكيف يكون المخلوق خالقاً؟!.
حينما يولد شيء من شيء فلابد أن يكون الوليد من جنس الوالد ومما لا جدال فيه أن الابن فيه كل الصفات الموجودة في والده، وليس في مجال البشرية فقط وإنما كل شيء، فأشعة الشمس صفاتها نفس صفات الشمس، والماء الذي يخرج من النبع صفاته نفس صفات النبع وهكذا فلابد أن تكون الأشياء المخلوقة في الكون تحمل صفات الخالق .. (صفة الحياة. الخلود .. الثبات وعدم التغير) وهذه الصفات غير موجودة في الخلق وإنما هي صفات منحصرة في الخالق فقط. ولو افترضنا وجودها في المخلوق إذا لما كانت هنالك حاجة إلى الخالق!.
وأساساً فإن هذه الفكرة متناقضة يرفضها العقل، والله سبحانه ينسف هاتين الفكرتين- الولادة والمجانسة- معاً في آية واحدة حينما يقول مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ ولماذا يتخذ الله ولداً؟ إن ذلك ليس من صفات الألوهية، فالله سبحانه غني عن كل شيء، وغير محتاج إلى شيء، فما حاجته إلى أن يتخذ من بين مخلوقاته ولداً؟!.
ومن جهة ثانية إن خروج الولد من الله لابد أن يكون عن طريق التناسل أو الانقسام وهذا غير وارد لأن الله سبحانه غير مركب من أجزاء وإلّا افتقد صفة الكمال المطلق التي تشهد له بها كل ذرة من ذرات هذا الكون.
إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ إن الله خلق الكون بهذه الطريقة أنه يقضي أمراً فيقول له: كن فيكون، وليست خلقته بصدور شيء عنه أو ولادته منه سبحانه [١].
[٣٦] أما رسالة عيسى فلم تكن رسالة تدعو الناس إلى عبادته، وإنما تدعوهم إلى عبادة الله وحده، وكيف يدعو الإله إلى عبادة غيره لو كان عيسى إلهاً- حاشا لله-؟!.
[١] عالج المؤلف هذا البحث بتفصيل في كتاب (العرفان الإسلامي (.