من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٣ - غائية الكون وحكمة الخلق
إلى صنع ساعة تقيس الزمن بدقة فائقة تصل إلى واحد من ألفي جزء من الثانية، ومقياس الليل والنهار الزمني لا يتغير ولا بمقدار جزء من هذه الألفين أو أقل، وليس ذلك إلا دليلًا على أن خلق الكون لم يكن عبثاً، وهكذا يجب أن تكون حياتنا قائمة على أساس الدقة والجدية، وتكييف النفس مع حقائق الحياة.
إن جوهر الحق والمسؤولية في الحياة هو البحث عن الهدف، والسعي الحثيث نحوه.
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ هما يسبحان ويتحركان والبشر أيضاً يتحرك، ولكن لابد أن تكون حركته ضمن إطار وخطة من أجل الوصول إلى شيء، لأن الحركة من دون هدف لعب ولهو.
سنة الموت
وتتجلى جدية الحياة، وإنها ليست لعباً ولهواً، في أمرين: الموت والإبتلاء. ولقد جعل الله الموت حتماً على البشر
[٣٤] وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ فكل الناس ميتون، ولعل الأدب القرآني السامي يذكر هنا ضمير المخاطب ليجعلنا جميعاً في جو رهيب بحيث نشعر بمرارة النهاية لكيلا نلعب ولا نلهوف في الحياة.
وما دام الرسول وهو أكرم الخلق على الله قد مات فهل يخلد أحد بعده؟!.
[٣٥] كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وتعبير ذائقة يقرب المعنى للذهن أكثر، إذ يصور الموت وكأنه شربة يذوقها الجميع، لكي نتحسس بمرارة الموت عن طريق التذكر المستمر له، ولعلَّ الآية توحي بأنه ليس هناك إنسان إلا ويتحسس الموت بوعي تام، حتى لو كان الموت قد وافاه أثناء نومه.
بلى لابد أن نتذوق جميعا كأس الموت غصة بعد غصة، أفلا نعتبر بمن مضى منا؟ ومن لم يتعظ بهذه النهاية الرهيبة فبم- يا ترى- يعتبر؟ لقد قال أمير المؤمنين عليه السلام يوماً وقد تبع جنازة فسمع رجلا يضحك
[كَأَنَّ الْمَوْتَ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا كُتِبَ وكَأَنَّ الْحَقَّ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا وَجَبَ وكَأَنَّ الَّذِي نَرَى مِنَ الْأَمْوَاتِ سَفْرٌ عَمَّا قَلِيلٍ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ نُبَوِّئُهُمْ أَجْدَاثَهُمْ ونَأْكُلُ تُرَاثَهُمْ كَأَنَّا مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ قَدْ نَسِينَا كُلَّ وَاعِظٍ ووَاعِظَةٍ ورُمِينَا بِكُلِّ جَائِحَةٍ][١].
[١] مستدرك الوسائل: ج ٢، ص ٣٧٧. والجائحة: النازلة والشدة.