من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٩٤
اعترفوا بالتقصير، وسعوا نحو مرضاة الرب.
[١١٠] فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ إن الاستهزاء من المؤمنين يحمل في طياته السخرية من مبادئهم، ولكنه يحوِّل الصراع إلى صراع شخصي، حيث يعادي الكفار أشخاص المؤمنين ويسقطون هيبتهم من أنفسهم، ويحقرون كل أفعالهم وتصرفاتهم، وبالتالي، يصبح حاجزاً نفسياً دون التفكير في المبادئ التي يدعون إليها، ولعلَّ ذلك هو ما أشار إليه القرآن هنا بقوله حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي.
أما قوله وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ فهو الجانب السلوكي والعملي لحالتهم النفسية حيث كانوا يتخذونهم سخرياً.
[١١١] لقد كان المؤمنون في الدنيا عرضة لألوان البلاء والمشاكل، من السخرية والضحك و .. ولكنهم استقاموا وصبروا فكان جزاؤهم الجنة إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ ويبدو من الآية أنّ من أعظم الصبر الصبر على تجريح الشخصية، ولذلك نجد أبرز صفات المؤمنين حقاً أنهم لا يأبهون باللوم ولا يخافونه.
[١١٢] ثم يسألهم الله قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ لنرى كيف كانت الدنيا التي بعتم الآخرة بها؟!.
[١١٣] فيأتي الجواب قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ وهذا التقدير يأتي نتيجة الفرق بين الآخرة والدنيا من زاوية الزمان.
[١١٤] قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ لو كنتم تعرفون بأن الحياة الحقيقية والخالدة تبدأ بعد الدنيا.
إن وعي الزمن وامتداد نظر الإنسان إلى أبعد نقطة في المستقبل شرط أساسي للتكامل، ولأن أسمى التكامل الإيمان فإنَّ المؤمن يقدر الزمن في الدنيا بميزان الخلود الأبدي في الآخرة، ولذلك يفوز بالصبر لأنه سبق وإن أحسن التقدير.
ويبدو أن النظر إلى الزمن ومقدار وعيه يشكل أساس الإيمان بالآخرة، والقرآن الحكيم يعالج هذه الناحية من نفسية البشر، فلو كانوا يعلمون لعرفوا أن كل الفترة التي يقضونها في الدنيا قليلة في حساب الآخرة، فلماذا خسارة الآخرة بهذه الفترة القليلة؟!.
[١١٥] أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ هل كانت حياتكم الدنيا بلا هدف؟! أم هل من الحكمة أن يخلق الإنسان للأكل والشرب ثم يموت؟!.