من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٩١
هدى من الآيات
موقف السخرية من رسل الله أشد المواقف خطورة، وهو نابع من حالة اللامبالاة والزعم بأن الخلق عبث لا هدف له، ويبدو أن هذا الدرس الأخير من سورة المؤمنين، يعالج هذا الموقف، بتذكير البشر بالحساب الدقيق ثم الجزاء الأوفى الذي ينتظره بعد الموت.
ويبين السياق
أولًا: إن تلك العلاقات التي كانت سبباً للجحود والابتعاد عن الله، سوف تنتهي يوم القيامة فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ، إذن يجب على الإنسان أن لا توقفه هذه العقبة عن الإيمان.
ثانياً: إن المقياس الحق لتقييم الإنسان نفسه، هو الميزان الذي يجسد القيم الحقيقة التي فطرت عليها العقول، وتذكر بها رسالات الله، وهو الذي نعرف عن طريقه هل إننا بخير أم على شر، فإذا ثقلت موازين الإنسان، و كانت صالحاته أكثر من سيئاته كان من أصحاب الجنة، وإلا فإنه من أصحاب النار، والآية التي تحمل هذا المضمون (١٠٢- ١٠٣) هي أكثر الآيات تحذيراً في القرآن كما يبدو لي، إذ من الذي يستطيع أن يطمئن ولو نسبياً إلى أن حسناته أكثر من سيئاته؟! لهذا فإن المؤمنين لا يتركون وقتاً إلا واستغلوه للعمل الصالح.
ثم يصف لنا القرآن بعض المشاهد من يوم القيامة، يوم تلفح النار وجوه الكافرين والظالمين، حتى تنكمش أسنانهم وتحترق وجوههم فتظهر أسنانهم كلها، وعندما يطلبون من الله العودة لاستئناف العمل يأتيهم الجواب أن اخسؤوا، وهي كلمة لا تقال إلا للكلب، فقد كنتم تهزؤون وتسخرون من عبادي يوم كانوا يدعونكم إلى عبادتي، وها قد جزيتهم بالجنة وأنتم في النار.
ويستمر السياق يبين لهؤلاء أخطاءهم، والتي من أهمها أنهم اعتقدوا بأن لا رجعة بعد الموت، وبالتالي لا مسؤولية، فتمادوا في غيهم وانحرافهم، وفاتت عليهم فرصة الدنيا التي يفترض أن يزرعها الإنسان عملًا صالحاً ينفعه في الآخرة، وذلك لن يكون دونما إيمان خالص بالله.
وحتى لا تكون هذه الشدة سبباً لليأس يفتح الله بآخر آية من هذه السورة باباً للأمل، حينما يذكِّرنا بأنه أرحم الراحمين، وكم هو شقي ذلك الإنسان الذي يسد على نفسه أبواب رحمة الله التي وسعت كل شيء.