الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٧٧ - باب مواعظ أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام
شعثة رءوسهم، يابسة أفواههم، لكي يعلم الناس أنهم صيام.
يا ابن جندب الخير كله أمامك، و إن الشر كله أمامك، و لن ترى الخير و الشر إلا بعد الآخرة، لأن اللَّه جل و عز جعل الخير كله في الجنة و الشر كله في النار، لأنهما الباقيان و الواجب على من وهب اللَّه له الهدى و أكرمه بالإيمان، و ألهمه رشده و ركب فيه عقلا يتعرض [١] به نعمه، و آتاه علما و حكما يدبر به أمر دينه و دنياه، أن يوجب على نفسه أن يشكر اللَّه و لا يكفره، و أن يذكر اللَّه و لا ينساه، و أن يطيع اللَّه و لا يعصيه، للقديم الذي تفرد له بحسن النظر، و للحديث الذي أنعم عليه بعد إذ أنشأه مخلوفا [٢]، و للجزيل الذي وعده، و الفضل الذي لم يكلفه من طاعته فوق طاقته، و ما يعجز عن القيام به و ضمن له العون على تيسير ما حمله من ذلك و ندبه إلى الاستعانة على قليل ما كلفه و هو معرض عما أمره و عاجز عنه قد لبس ثوب الاستهانة فيما بينه و بين ربه، متقلدا لهواه، ماضيا في شهواته، مؤثرا لدنياه على آخرته، و هو في ذلك يتمنى جنان الفردوس، و ما ينبغي لأحد أن يطمع أن ينزل بعمل الفجار منازل الأبرار، أما إنه لو وقعت الواقعة و قامت القيامة و جاءت الطامة و نصب الجبار الموازين لفصل القضاء، و برز الخلائق ليوم الحساب، أيقنت عند ذلك لمن تكون الرفعة و الكرامة، و بمن تحل الحسرة و الندامة، فاعمل اليوم في الدنيا بما ترجو به الفوز في الآخرة، يا ابن جندب قال اللَّه عز و جل في بعض ما أوحى: إنما أقبل الصلاة ممن يتواضع لعظمتي و يكف نفسه عن الشهوات من أجلي، و يقطع نهاره بذكري، و لا يتعظم على خلقي، و يطعم الجائع، و يكسو العاري، و يرحم المصاب، و يؤتي [٣] الغريب، فذلك يشرق نوره مثل الشمس، اجعل له في الظلمة نورا و في الجهالة
[١] . في المصدر: يتعرّف.
[٢] . هكذا في الأصل و لكن في المصدر: مخلوقا.
[٣] . في المصدر: يؤوي الغريب.