الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٤٧ - ينشد أبا مسلم الخراساني فيجيزه
بعث إليّ أبو مسلم لما أفضت الخلافة إلى بني هاشم، فلما دخلت عليه رأى منّي جزعا، فقال: اسكن فلا بأس عليك، ما هذا الجزع الّذي ظهر منك؟ قلت أخافك، قال: و لم؟ قلت: لأنه بلغني أنك تقتل الناس، قال: إنما أقتل من يقاتلني و يريد قتلي، أ فأنت منهم؟ قتل: لا، قال: فهل ترى بأسا؟ لا، فأقبل على جلسائه ضاحكا، ثم قال: أما ابن العجّاج فقد رخّص لنا، ثم قال: أنشدني قولك:
/
و قاتم الأعماق [١] خاوي المخترق [٢]
فقلت: أو أنشدك- أصلحك اللّه أحسن منه؟ قال: هات، فأنشدته:
قلت و قولي [٣] مستجدّ حوكا
لبّيك إذ دعوتني لبّيكا
أحمد ربّا ساقني إليكا
قال: هات كلمتك الأولى، قلت: أو أنشدك أحسن منها؟ قال: هات، فأنشدته:
ما زال بيني خندقا و يهدمه
و يستجيش عسكرا و يهزمه
و مغنما يجمعه و يقسمه
مروان لما أن تهاوت أنجمه
و خانه في حكمه منجّمه
قال: دع هذا و أنشدني: و قاتم الأعماق، قلت: أو أحسن منه؟ قال: هات، فأنشدته:
رفعت بيتا و خفضت بيتا
و شدت ركن الدين إذ بنيتا
في الأكرمين من قريش بيتا
قال: هات ما سألتك عنه، فأنشدته:
ما زال يأتي الأمر من أقطاره
على اليمين و على يساره
مشمّرا لا يصطلى بناره
حتى أقرّ الملك في قراره
و فرّ مروان على حماره
قال: ويحك! هات ما دعوتك له و أمرت بإنشاده، و لا تنشد شيئا غيره، فأنشدته:
/
و قاتم الأعماق خاوي المخترق
فلما صرت إلى قولي:
يرمي الجلاميد بجلمود مدق
قال: قاتلك اللّه! لشدّ ما استصلبت الحافر! ثم قال: حسبك، أنا ذلك الجلمود المدقّ.
قال: و جيء بمنديل فيه مال فوضع بين يديّ، فقال أبو مسلم: يا رؤبة، إنك أتيتنا و الأموال مشفوهة [٤]، و إن
[١] الأعماق: جمع عمق، و يراد به هنا البعيد من أطراف المفاوز، مستعار من عمق البئر.
[٢] المخترق: موضع الاختراق، و يراد هنا، موضع قطع المفاوز.
[٣] ف «و نسجي».
[٤] مشفوهة: اشتد طلبها حتى نفذت.