الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٥٥ - يسمع غناؤه على ثلاثة أميال
فعله أيام هشام، و هو أن بعض أصحابنا حدّثني قال: وقف/ ابن عائشة في الموسم فمرّ به بعض أصحابه، فقال له:
ما تعمل؟ فقال: إني لأعرف رجلا لو تكلم لحبس الناس، فلم يذهب أحد و لم يجيء. فقلت له: و من هذا الرجل؟
قال: أنا، ثم اندفع يغني:
صوت
جرت سنحا فقلت [١] لها أجيزي
نوى مشمولة فمتى اللقاء
بنفسي من تذكّره سقام
أعالجه و مطلبه عناء
قال: فحبس الناس، و اضطربت المحامل [٢]، و مدّت الإبل أعناقها، و كادت الفتنة تقع، فأتي به هشام فقال:
يا عدو اللّه أردت أن تفتن الناس؟ فأمسك عنه و كان تياها، فقال له هشام: أرفق بتيهك [٣]. فقال ابن عائشة: حقّ لمن كانت هذه قدرته على القلوب أن يكون تيّاها، فضحك و أطلقه قال فبرق [٤] ابن أبي الكنات، و كان معجبا بنفسه، و قال: أنا أفعل كما فعل، و قدرتي على القلوب أكثر من قدرته كانت، ثم اندفع فغنى في هذا الصوت و نحن على جسر بغداد.
و كان إذ ذاك على دجلة ثلاثة جسور معقودة، فانقطعت الطرق، و امتلأت الجسور بالناس، و ازدحموا عليها، و اضطربت حتى خيف عليها أن تتقطع لثقل من عليها من الناس. فأخذ فأتي به الرشيد، فقال: يا عدو اللّه أردت أن تفتن الناس؟ فقال: لا و اللّه يا أمير المؤمنين، و لكنه بلغني أن ابن عائشة فعل مثل هذا في أيام هشام، فأحببت أن يكون في أيامك مثله فأعجب [٥] من قوله ذلك، و أمر له بمال، و أمره/ أن يغني، فسمع شيئا لم يسمع مثله فاحتبسه عنده شهرا [٦] يستزيده في كل يوم استأذنه فيع في الانصراف- يوما آخر حتى تم له شهر [٦] فقال هذا المخبر عنه:
و كان ابن أبي الكنّات كثير الغشيان لي: فلما أبطأ توهمته قد قتل فصار إليّ بعد شهر بأموال جسيمة، و حدّثني بما جرى بينه و بين الرشيد.
يسمع غناؤه على ثلاثة أميال:
قال هارون: و أخبرني محمد بن عبد اللّه المخزوميّ عن عثمان بن موسى مولانا قال:
كنا يوما باللاحجة و معنا عمرو بن أبي الكنّات، و نحن على شرابنا إذ قال لنا قبل طلوع الشمس: من تحبون أن يجيئكم؟ قلنا: منصور الحجبيّ. فقال: أمهلوا حتى يكون الوقت الّذي ينحدر فيه إلى سوق البقر، فمكثنا ساعة ثم اندفع يغني:
أحسن الناس فاعلموه غناء
رجل من بني أبي الكنّات
عفت الدار بالهضاب اللواتي
بسوار فملتقى عرفات
[١] سقطت هذه الكلمة من س.
[٢] المحامل: جمل محمل كمجلس، و هو شقان على البعير، يجمل فيهما العديلان.
[٣] في س «بتهيك»، تحريف.
[٤] في هد، مل. نزق و في ب، س مرق، كفرح.
[٥] في ف، و «نهاية الأرب» «فأعجبه ذلك».
[٦]- [٦] زيادة من هد، ف.