الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٦٥ - يتهدده شيبة بن الوليد فيهجوه في رقاع دسها في الدواوين
بني جنّان فإنه يلزمه على قياسه أن يقول: جنّي إن في جنّان نونين، فإن قال ذلك فقد سوّى بينه و بين المنسوب إلى الجنّ.
قال: فقال لي المهدي و له: تناظرا في غير هذا حتى نسمع، فتناظرنا في مسائل حفظ فيها قولي/ و قوله إلى أن قلت له: كيف تقول: إن من خير القوم أو خيرهم نية زيد؟ قال: فأطال الفكر لا يجيب. فقلت: لأن تجيب فتخطئ فتتعلم أحسن من هذه الإطالة. فقال: إن من خير القوم أو خيرهم نية زيدا. قال: فقلت: أصلح اللّه الأمير، ما رضي أن يلحن حتى لحن و أحال. قال: و كيف؟ قلت: لرفعه قبل أن يأتي باسم إنّ، و نصبه بعد رفعه.
فقال شيبة بن الوليد: أراد بأو- بل، فرفع هذا معنى. فقال الكسائيّ: ما أردت/ غير ذلك فقلت: فقد أخطأ جميعا أيها الأمير. لو أراد بأو- بل رفع زيدا؛ لأنه لا يكون بل خيرهم زيدا، فقال المهديّ: يا كسائيّ، لقد دخلت عليّ مع مسلمة النحويّ و غيره، فما رأيت كما أصابك اليوم. قال: ثم قال: هذان عالمان، و لا يقضي بينهما إلّا أعرابيّ فصيح يلقى عليه المسائل الّتي اختلفا فيها فيجيب. قال: فبعث إلى فصيح من فصحاء الأعراب. قال أبو محمد، و أطرقت إلى أن يأتي الأعرابيّ، و كان المهديّ محبّا لأخواله، و منصور بن يزيد بن منصور حاضر، فقلت:
أصلح اللّه الأمير! كيف ينشد هذا البيت الّذي جاء في هذه الأبيات:
يا أيها السائلي لأخبره
عمن بصنعاء من ذوي الحسب
حمير ساداتها تقر لها
بالفضل طرّا جحاجح [١] العرب
و إنّ من خيرهم و أكرمهم
أو خيرهم نية أبو كرب
قال: فقال لي المهديّ: كيف تنشده أنت؟ فقلت: أو خيرهم نية أبو كرب على إعادة إنّ، كأنه قال: أو إنّ خيرهم نية أبو كرب. فقال الكسائيّ: هو و اللّه قالها الساعة. قال، فتبسم المهديّ، و قال: إنك لتشهد له و ما تدري. قال:
ثم طلع الأعرابيّ الّذي بعث إليه فألقيت عليه المسائل، فأجاب فيها كلّها بقولي، فاستفزّني السرور حتى ضربت بقلنسيتي الأرض، و قلت: أنا أبو محمد. قال لي شيبة: أ تتكنّى باسم الأمير؟ فقال المهديّ: و اللّه ما أراد بذلك مكروها، و لكنه فعل ما فعل للظّفر، و قد- لعمري- ظفر. فقلت: إن اللّه- عزّ و جل- أنطقك أيها الأمير بما أنت أهله، و أنطق غيرك بما هو أهله.
يتهدده شيبة بن الوليد فيهجوه في رقاع دسها في الدواوين:
قال: فلما خرجنا قال لي شيبة: أ تخطّئني بين يدي الأمير؟ أما لتعلمنّ! قلت: قد سمعت ما قلت، و أرجو أن تجد غبّها، ثم لم أصبح حتى كتبت/ رقاعا عدة، فلم أدع ديوانا إلّا دسست إليه رقعة فيها أبيات قلتها فيه، فأصبح الناس يتناشدونها، و هي:
عش بجدّ و لا يضرّك نوك
إنما عيش من ترى بالجدود
عش بجدّ و كن هبنّقه [٢] القي
سيّ نوكا أو شيبة بن الوليد
شيب يا شيب يا جديّ بني القع
قاع ما أنت بالحليم الرشيد [٣]
لا و لا فيك خلّة من خلال
الخير أحرزتها لحزم وجود
[١] جحاجح: سادة، جمع جحجح.
[٢] هو يزيد بن ثروان، و يكنى ذا الودعات، لأنه جعل في عنقه قلادة من ودع و عظام و خزف مع طول لحيته، فسئل فقال: لئلا أضل، فسرقها أخوه في ليلة و تقلدها، فأصبح هبنقة و رآها في عنقه، فقال: أخي، أنت أنا، فمن أنا؟ فضرب بحمقه المثل.
[٣] زيادة من مي، مل، هد، م.