الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٢٧ - يزوره المخزومي و يجالسه، و يرسل إليه حين انصرف هجاء فيه
تحب أن تسمع ما لك و عليك لكيلا تغبن، فقرأنا عليه الشعر حتى انتهينا في القصيدة إلى قوله:
/
من أي ثنيّة طلعت قريش
و كانوا معشرا متنبّطينا
فقال دعبل: معاذ اللّه أن يكون هذا البيت لي، ثم قال: لعنه اللّه و انتقم منه- يعني أبا سعد المخزوميّ- دسّه و اللّه في هذا الشعر و ضرب بيده إلى سكين كانت معه [١] فجرد البيت بحدها ثم قال لنا: أحدثكم [٢] عنه بحديث طريف:
يزوره المخزومي و يجالسه، و يرسل إليه حين انصرف هجاء فيه:
جاءني يوما ببغداد أشدّ ما كان بيني و بينه من الهجاء، و بين يديّ صحيفة و دواة، و أنا أهجوه فيها، إذ دخل عليّ غلام لي فقال: أبو سعد المخزومي بالباب. فقلت له: كذبت. فقال، و هو عارف بأبي سعد: بلى و اللّه يا مولاي، فأمرته برفع الدواة و الجلد الّذي كان بين يدي، و أذنت له في الدخول، و جعلت أحمد اللّه في نفسي، فأقول: الحمد للّه الّذي أصلح بيني و بينه من هتك الأعراض و ذكر القبيح، و كان الابتداء منه. فقمت إليه و سلمت عليه و هو ضاحك مسرور، فأبديت له مثل ذلك من السرور به، ثم قلت: أصبحت و اللّه حاسدا لك. قال: على ما ذا يا أبا علي؟ فقلت: بسبقك إياي إلى الفضل.
فقال لي: أنا اليوم في دعوى عندك، فقلت: قل ما أحببت. فقال: إن كان عندك ما نأكله، و إلا ففي منزلي شيء معدّ. فسألت الغلمان فقالوا عندنا: قدر أمسيّة [٣]. فقال: غاية و اتفاق جيّد. فهل عندك شيء نشربه، و إلّا وجهت إلى منزلي/ ففيه شراب معد؟ فقلت له: عندنا ما نشرب، فطرح ثيابه و ردّ دابته و قال: أحب ألا يكون معنا غيرنا، فتغدينا و شربنا، فلما أن أخذ الشراب منا قال: مر غلاميك يغنياني، فأمرت الغلامين فغنياه، فطرب و فرح، و استحسن الغناء حتى سرّني و أطربني معه، ثم قال: حاجتي إليك يا أبا علي أن تأمرهما بأن يغنياني في هجائك لي- و كان الغلامان لكثرة ما يسمعانه مني في هجائي قد حفظا منه أشياء و لحّناها- فقلت له: سبحان اللّه يا أبا سعد قد طفئت النائرة [٤]، و ذهبت العداوة بيننا، و انقطع الشر. فما حاجتك إلى هذا؟ فقال لي: سألتك باللّه إلّا فعلت، فليس يشق ذلك عليّ. و لو كرهته لما سألته. فقلت في نفسي: أ ترى أبا سعد يتماجن عليّ؟ يا غلمان، غنّوه بما يريد، فقال غنوه:
يا أبا سعد قوصره
زاني الأخت [٥] و المره
فغنّوه، و هو يحرك رأسه و كتفيه، و يطرب و يصفق، فما زلنا يومنا مسرورين. فلما ثمل ودّعني و قام فانصرف، و أمرت غلماني فخرجوا معه إلى الباب، فإذا غلام منهم قد انصرف إليّ بقطعة قرطاس، و قال: دفعها إليّ أبو سعد المخزوميّ، و أمرني أن أدفعها إليك. قال: فقرأتها، فإذا فيها:
لدعبل منّة يمنّ بها
فلست حتى الممات أنساها
[١] كذا في ب. و في أ، م «معنا».
[٢] في أ، م «أحدثكم بحديث طريف».
[٣] أمسية: مساء.
[٤] النائرة هي الشحناء: و في س، ب، مد «الثائرة».
[٥] م، أ «الأم».