الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٦٠ - يكتب إليها من بغداد شعرا
أخبرني بذلك الحسن بن عليّ قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني بعض الصيارف بالكرخ، و سماه، قال:
كان حارس درب عون [١] يقال له: المبارك، و كان يلبس ثيابا نظيفة سريّة، و يركب حمارا، فيطوف عليه السوق بالليل و يكريه بالنهار، فإذا رآه من لا يعرفه ظنّ أنه من بعض التجار، و كان يصل إليه في كل شهر من السّوق ما يسعه و يفضل عنه، و كانت له بنت من أجمل النساء، فمات مبارك و حضره الناس، فلما أخرجت جنازته خرجت بنته هذه حاسرة بين يديه، فقال أبو نواس فيها:
يا قمرا أبرزه مأتم
يندب شجوا بين أتراب
و ذكر الأبيات كلّها.
طلبت قطع صلته بها أياما ففعل:
أخبرني محمد بن جعفر قال: حدّثني أحمد بن القاسم عن أبي هفّان عن الجمّاز و اليؤيؤ/ و أصحاب أبي نواس أنّ جنان وجّهت إليه: قد شهرتني، فاقطع زيارتك عنّي أياما لينقطع بعض القالة، ففعل، و كتب إليها:
/
إنّا اهتجرنا [٢] للناس إذ فطنوا
و بيننا حين نلتقي حسن
ندافع الأمر و هو مقتبل [٣]
فشبّ حتى عليه قد مرنوا
فليس يقذي عينا معاينة
له و ما إن تمجّه أذن
ويح ثقيف ما ذا يضرّهم
أن كان لي في ديارهم سكن [٤]
أريب ما بيننا الحديث فإن
زدنا فزيدوا و ما لذا ثمن
يكتب إليها من بغداد شعرا:
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني ابن أبي سعد قال: بلغني أنّ أبا نواس كتب إلى جنان من بغداد:
كفى حزنا ألّا أرى وجه حيلة
أزور بها الأحباب في حكمان
و أقسم لو لا أن تنال معاشر
جنانا بما لا أشتهي لجنان
لأصبحت منها داني الدار لاصقا
و لكنّ ما أخشى- فديت- عداني
فوا حزنا حزنا يؤدّي إلى الردى
فأصبح مأثورا بكلّ لسان
أراني انقضت أيام وصلي منكم
و آذن فيكم بالوداع زماني
[١] ب، س «عول».
[٢] اهتجرنا: تقاطعنا.
[٣] مقتبل: في مبتدئه.
[٤] السكن: كل ما يسكن إليه.