الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٣١ - يرثي حميدا الطوسي
أ لم تر للأيام كيف تصرّمت [١]
به و به كانت تذاد و تدفع
و كيف التقى مثوى من الأرض ضيق
على جبل كانت به الأرض تمنع
و لما انقضت أيامه انقضت العلا
و أضحى به أنف الندى و هو أجدع
و راح عدوّ الدّين جذلان ينتحي
أمانيّ كانت في حشاه تقطع [٢]
و كان حميد معقلا ركعت به
قواعد ما كانت على الضيم تركع
/ و كنت أراه كالرزايا رزئتها
و لم أدر أن الخلق يبكيه أجمع
حمام رماه من مواضع أمنه
حمام كذاك الخطب بالخطب يقدع [٣]
و ليس بغرو أن تصيب منية
حمى أختها أو أن يذلّ الممنّع
لقد أدركت فينا المنايا بثارها
و حلّت بخطب وهيه ليس يرقع
نعاء [٤] حميد للسرايا إذا غدت
تذاد بأطراف الرماح و توزع
و للمرهق المكروب ضاقت بأمره
فلم يدر في حوماتها كيف يصنع؟
و للبيض خلّتها البعول و لم يدع
لها غيره داعى الصباح المفزّع
كأن حميدا لم يقد جيش عسكر
إلى عسكر أشياعه لا تروّع
و لم يبعث الخيل المغيرة بالضحا
مراحا و لم يرجع بها و هي ظلّع
رواجع يحملن النّهاب و لم تكن
كتائبه إلّا على النهب ترجع
هوى جبل الدنيا المنيع و غيثها
المريع و حاميها الكميّ المشيع [٥]
و سيف أمير المؤمنين و رمحه
و مفتاح باب الخطب و الخطب أفظع
فأقنعه من ملكه و رباعه
و نائله قفر من الأرض بلقع
على أيّ شجو تشتكي النفس بعده
إلى شجوه أو يذخر الدمع مدمع
أ لم تر أن الشمس [٦] حال ضياؤها
عليه و أضحى لونها و هو أسفع
و أوحشت الدنيا و أودى بهاؤها
و أجدب مرعاها الّذي كان يمرع
و قد كانت الدنيا به مطمئنة
فقد جعلت أوتادها تتقلع
/ بكى فقده روح الحياة كما بكى
نداه الندى و ابن السبيل المدفّع
[١] ف، مو «تصرفت».
[٢] ينتهي هنا ما روت نسخة! من هذه القصيدة. و فيها بعد هذا البيت: و هي قصيدة طويلة. قد اعتمد عليها الطائيان في مراثيهما، فسلخاها. و لو لا كراهة الإطالة لذكرت ذلك.
[٣] يقدع: يدفع.
[٤] نعاء حميدا: انعه، و أظهر خبر وفاته.
[٥] المشيع: الشجاع، كأنه يشيعه، أي يشجعه غيره، أو يشيعه قلبه
[٦] كذا في ب، ج، مد. و في س «النفس»، تحريف.