الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٢٧ - شدة إعجاب أبي تمام ببيت من بائيته
و على النعمان عجت به
عوجة ذادته عن صدره
غمط النعمان صفوتها
فرددت الصفو في كدره
و لقرقور أدرت رحا
لم تكن [١] ترتد في فكره
قد تأنيت البقاء له
فأبى المحتوم من قدره
و طغى حتى رفعت له
خطة شنعاء من ذكره
قال: فغضب المأمون و اغتاظ، و قال: لست لأبي إن لم أقطع لسانه أو أسفك دمه.
أنشد أبا دلف مدحته بعد أن قتل قرقورا:
قال ابن أبي فنن: و هذه القصيدة قالها عليّ بن جبلة و قصد بها أبا دلف بعد قتله الصّعلوك المعروف بقرقور، و كان من أشد الناس بأسا و أعظمهم. فكان يقطع هو و غلمانه على القوافل و على القرى، و أبو دلف يجتهد في أمره فلا يقدر عليه. فبينا أبو دلف خرج ذات يوم يتصيد و قد أمعن في طلب الصيد وحده إذا بقرقور قد طلع عليه و هو راكب فرسا يشق الأرض بجريه، فأيقن أبو دلف بالهلاك، و خاف أن يولّي عنه فيهلك، فحمل عليه و صاح: يا فتيان! يمنة يمنة- يوهمه أن معه خيلا قد كمنها له- فخافه قرقور و عطف على يساره هاربا، و لحقه أبو دلف فوضع رمحه بين كتفيه فأخرجه من صدره، و نزل فاحتزّ رأسه، و حمله على رمحه حتى أدخله الكرج.
/ قال: فحدّثني من رأى رمح قرقور و قد أدخل بين يديه يحمله أربعة نفر. فلما أنشده عليّ بن جبله هذه القصيدة استحسنها و سرّ بها و أمر له بمائة ألف درهم.
اتساع شهرة قصيدته فيه:
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدثنا محمد بن يزيد الأزديّ قال: أخبرني إبراهيم بن خلف قال:
بينا أبو دلف يسير مع أخيه معقل- و هما إذا ذاك بالعراق- إذ مرّا بامرأتين تتماشيان، فقالت إحداهما لصاحبتها: هذا أبو دلف، قالت: و من أبو دلف؟ قالت: الّذي يقول فيه الشاعر:
إنما الدنيا أبو دلف
بين باديه و محتضره
فإذا ولّى أبو دلف
ولّت الدنيا على أثره
قال: فاستعبر أبو دلف حتى جرى دمعه. قال له معقل: مالك يا أخي تبكي؟ قال: لأني لم أقض حقّ عليّ بن جبلة.
قال: أ و لم تعطه مائة ألف درهم لهذه القصيدة؟ قال: و اللّه يا أخي ما في قلبي حسرة تقارب حسرتي على أني لم أكن أعطيته مائة ألف دينار. و اللّه لو فعلت ذلك لما كنت قاضيا حقه.
شدة إعجاب أبي تمام ببيت من بائيته:
حدّثني الحسن بن عليّ قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني عبد اللّه ابن محمد بن جرير قال:
أنشدت أبا تمام قصيدة عليّ بن جبلة البائية، فلما بلغت إلى قوله:
[١] كذا في ب، س. في ج «تكد».