الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤١٢ - يعاتب مخلد بن زيد لتأخيره مكافأته فيرضيه
/
فلما صدرنا عن زبالة و ارتمت
بنا العيس منها منقلا ثم منقلا [١]
ترامت به الموماة حتى كأنما
يسفّ بمعسول الخزيرة حنظلا [٢]
و حتّى نبا عن مزود القوم ضرسه
و عادى من الجهد الثريد المرعبلا [٣]
و حتى لو ان الليث ليث خفيّة
يحاوله عن نفسه ما تحلحلا
و حتى لو ان اللّه أعطاه سؤله
و قيل له: ما تشتهي؟ قال: محملا
فقلت له لما رأيت الذي به
و قد خفت أن ينضى لدينا و يهزلا
أطعني و كلّ شيئا، فقال معذّرا
من الجهد: أطعمني ترابا و جندلا
فللموت خير منك جارا و صاحبا
فدعني فلا لبيك ثم تجدلا [٤]
و قال: أقلني عثرتي و ارع حرمتي
و قد فر مني مرتين ليقفلا
فقلت له: لا- و الذي أنا أعبده-
أقيلك حتى تمسح الركن أوّلا
يعاتب مخلد بن زيد لتأخيره مكافأته فيرضيه
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال: حدثني عبد اللّه بن عمرو بن سعد قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم الهاشمي، قال: حدثني أبو عمر العمري، قال: حدثني عطاء بن مصعب، عن عاصم بن الحدثان قال:
قدم حمزة بن بيض على مخلد بن يزيد بن المهلب، فوعده أن يصنع به خيرا، ثم شغل عنه، فاختلف إليه مرارا، فلم يصل إليه، و أبطأت عليه عدته، فقال ابن بيض:
أ مخلد إن اللّه ما شاء يصنع
يجود فيعطي من يشاء و يمنع
و إنّى قد أملت منك سحابة
فحالت سرابا فوق بيداء تلمع
/ فأجمعت صرما ثم قلت: لعله
يثوب إلى أمر جميل فيرجع
فأيأسني من خير مخلد أنه
على كل حال ليس لي فيه مطمع
يجود لأقوام يودون أنه
من البغض و الشّنآن أمسى يقطّع
و يبخل بالمعروف عمن يودّه
فو اللّه ما أدري به كيف أصنع؟
أ أصرمه فالصّرم شرّ مغبّة
و نفسي إليه بالوصال تطلّع
و شتان بيني في الوصال و بينه
على كل حال أستقيم و يظلع
[١] زبالة: موضع من ضواحي المدينة ( «التاج»). و المنقل: الطريق في الجبل.
[٢] أي صار دمعه غزيرا كمن يسف الحنظل مع الخزيرة أو الحريرة، و هي طعام من دقيق و لبن يحلى بالعسل أو التمر. يريد أنه ضجر و بكى من طول السفر و وعورته.
[٣] المرعبل: المقطع قطعا كبيرة.
[٤] تجدلا: سقط على الجدالة و هي الأرض، من الإعياء.