الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣١٧ - أحيل الناس و أشجعهم و أجبنهم
له: فو اللّه إني لآكل الجذعة، و أشرب التّبن من اللبن رثيئة و [١] صرفا، فلم تقول هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال له عمر:
أي أحياء قومك خير؟ قال: مذحج، و كل قد كان فيه خير، شداد فوارسها، فوارس أبطالها، أهل الربا و الرباح [٢].
قال عمر: و أين سعد العشيرة؟ قال: هم أشدنا شريسا،/ و أكثرنا خميسا [٣]، و أكرمنا رئيسا، و هم الأوفياء البررة، المساعير [٤] الفجرة. قال عمر: يا أبا ثور، أ لك علم بالسلاح؟ قال: على الخبير سقطت، سل عما بدا لك. قال:
أخبرني عن النّبل. قال: منايا تخطئ و تصيب. قال: فأخبرني عن الرمح قال: أخوك و ربما خانك. قال: فأخبرني عن التّرس. قال: ذاك مجنّ و عليه تدور الدوائر. قال: أخبرني عن الدرع. قال: مشغلة للفارس، متعبة للراجل.
قال: أخبرني عن السيف. قال: عنه قارعتك [٥] لأمك الهبل، قال: لا، بل لأمك. قال عمرو: بل لأمك، فرفع عمر الدّرّة، فضرب بها عمرا، و كان عمرو محتبيا، فانحلت حبوته، فاستوى قائما، و أنشأ يقول:
أ تضربني كأنك ذو رعين
بخير معيشة أو ذو نواس [٦]
فكم ملك قديم قد رأينا
و عز ظاهر الجبروت قاسي [٧]
فأضحى أهله بادوا و أضحى
ينقّل من أناس في أناس [٨]
/ قال: صدقت يا أبا ثور، و قد هدم ذلك كله الإسلام، أقسمت عليك لما جلست. فجلس. فقال له عمر: هل كععت [٩] من فارس قط ممن لقيت؟ قال:
اعلم يا أمير المؤمنين، أني لم أستحل الكذب في الجاهلية، فكيف أستحله في الإسلام؟ و لقد قلت لجبهة من خيلي، خيل بني زبيد، أغيروا بنا على بني البكّاء. فقالوا: بعيد علينا المغار. فقلت: فعلى بني مالك بن كنانة، قال: فأتينا على/ قوم سراة. فقال عمر: ما علمك بأنهم سراة. قال: رأيت مزاود خيلهم كثيرة، و قدورا مثفّاة [١٠]، و قباب أدم، فعرفت أن القوم سراة. فتركت خيلي حجرة [١١]، و جلست في موضع أتسمع كلامهم، فإذا بجارية منهم
[١] الجذعة من الغنم: ما تكون سنها بين ستة أشهر و سنة. و التبن: القدح الكبير. و الرثيئة: اللبن الحليب يصب عليه اللبن الحامض، فيروب من ساعته. و الصريف: اللبن الذي ينصرف عن الضرع حارا وقت حلبه.
[٢] الربا و الرباح: النماء و الكثرة. و لعله يريد أنهم ذوو عدد وفير، أو ذوو مال كثير، أو أنهم يجزلون العطاء لمن يصنع إليهم خيرا.
[٣] الشريس: الشراسة، و هي عسر الخلق و الشدة. و الخميس: الجيش. و في «اللسان» هم أعظمنا خميسا، و أشدنا شريسا.
[٤] المساعير: جمع مسعر (بكسر الميم و فتح العين)، و مسعر الحرب: موقدها و مهيجها، و هو من صيغ المبالغة.
[٥] المقارعة: أصلها المضاربة بالسيوف في الحرب، و لعل المقصود بها هنا: المصاولة باللسان. و ظاهر العبارة أن عمرا يرى أن السيف هو أعظم السلاح، بدليل قوله فيما نقله الأبشيهي في «المستطرف» في وصف السيف (١: ٢٢) «هو العدة عند الشدة». و انظر «سرح العيون، في شرح رسالة ابن زيدون» (ص ٣١٢).
[٦] في «مروج الذهب» للمسعودي (١: ٢١٧ دار الرجاء): أ توعدني ... بأنعم عيشة.
[٧] في «مروج الذهب»:
فكم قد كان قبلك من مليك
عظيم ظاهر ....
[٨] الشطر الأول في «مروج الذهب» «فأصبح أهله بادوا و أمسى». و زاد بعده البيت:
فلا يغررك ملكك كل ملك
يصير مذلة بعد الشماس
. [٩] كععت: ضعفت و جبنت.
[١٠] مثفاة: منصوبة على الأثافي، استعدادا للطبخ.
[١١] حجرة: جانبا و ناحية.