الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣١٩ - أحيل الناس و أشجعهم و أجبنهم
أهون بنضر العيش في دار ندم
أفيض دمعا كلما فاض انسجم
أنا ابن عبد اللّه [١] محمود الشيم
مؤتمن الغيب و فيّ بالذمم
أكرم [٢] من يمشي بساق و قدم
كالليث إن هم بتقصام قصم
فحملت عليه و أنا أقول:
أنا ابن ذي التقليد في الشهر الأصمّ
أنا ابن ذي الإكليل قتال البهم [٣]
من يلقني يود كما أودت إرم
أتركه لحما على ظهر وضم [٤]
/ و حمل علي و هو يقول:
هذا حمى قد غاب عنه ذائده
الموت ورد و الأنام وارده
و حمل علي فضربني، فرغت و أخطأني، فوقع سيفه في قربوس [٥] السرج، فقطعه و ما تحته، حتى هجم على مسح الفرس. ثم ثنّى بضربة أخرى، فرغت و أخطأني، فوقع سيفه على مؤخر السرج فقطعه حتى وصل إلى فخذ الفرس، و صرت راجلا./ فقلت: ويحك! من أنت؟ فو اللّه ما ظننت أحدا من العرب يقدم عليّ إلا ثلاثة: الحارث بن ظالم، للعجب و الخيلاء؛ و عامر بن الطفيل للسن و التجربة؛ و ربيعة بن مكدم للحداثة و الغرّة، فمن أنت ويلك؟ قال: بل الويل لك، فمن أنت؟ قلت: عمرو بن معد يكرب، قال: و أنا ربيعة بن مكدم. قلت: يا هذا، إني قد صرت راجلا، فاختر مني إحدى ثلاث، إن شئت اجتلدنا بسيفينا حتى يموت الأعجز، و إن شئت اصطرعنا، فأينا صرع صاحبه حكم فيه؛ و إن شئت سالمتك و سالمتني. قال: الصلح إذن إن كان لقومك فيك حاجة، و ما بي أيضا على قومي هوان. قلت: فذاك لك. و أخذت بيده، حتى أتيت أصحابي، و قد حازوا نعمه، فقلت: هل تعلمون أني كععت عن فارس قطّ من الأبطال إذا لقيته؟ قالوا: نعيذك من ذاك. قال: قلت: فانظروا هذا النعم الذي حزتموه، فخذوه مني غدا في بني زبيد، فإنه نعم هذا الفتى، و اللّه لا يوصل إلى شيء منه و أنا حيّ. فقالوا لحاك اللّه فارس قوم! أشقيتنا [٦] حتى إذا هجمنا على الغنيمة الباردة فثأتنا [٧] عنها. قال: قلت إنه لا بد لكم من ذلك، و أن تهبوها لي و لربيعة بن مكدم. فقالوا: و إنه لهو؟ قلت: نعم. فردوها و سالمته، فأمن حربي و أمنت حربه حتى هلك.
و في بعض هذه الأراجيز التي جرت بين عمرو بن معد يكرب و ربيعة بن مكدم غناء، نسبته، و قد جمع شعراهما معا في لحن واحد، و هو:
[١] في «المروج» أنا عبيد اللّه.
[٢] في «المروج» و خير. و بعده «عدوه يفديه من كل السقم».
[٣] التقليد: أن يجعل في عنق البدنة و نحوها شيئا يعلم به أنه هدى. و الشهر الأصم: رجب، لأنه كان لا يسمع فيه صوت مستغيث و لا حركة قتال و لا قعقعة سلاح، لأنه من الأشهر الحرم. و الإكليل: كذا في «المروج»، و هو التاج، و كان عمرو بن معد يكرب الزبيدي من اليمن، و ملوكهم يلبسون التيجان. و في مب: أنا ابن عبد اللّه. و في بقية الأصول: أنا ابن ذي الأكال.
[٤] الوضم: الخوان من الخشب أو نحوه يقطع عليه القصاب اللحم. و يقال: فلان لحم على وضم، مثل يضرب للذليل.
[٥] القربوس كحلزون: حنو السرج أي الجزء المرتفع من مقدمه و من مؤخره. و المسح: ثوب غليظ من الشعر يجعل تحت السرج.
[٦] كذا في مب. و في ف: أسقيتنا. و في بقية الأصول: أنسأتنا.
[٧] فثأه: ثبط عزيمته و سكنه.