الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥١٢ - قصته مع حمدونة زوجته
جشّمني ذلك وجدي بها
و فضلها بين النساء الوسام
ممكورة الساق ردينيّة
مع الشّوى الخدل و حسن القوام
صامتة الحجل خفوق الحشا
مائرة الساق ثقال القيام
ساجية الطّرف نئوم الضّحى
منيرة الوجه كبرق الغمام
زينها اللّه و ما شانها
و أعطيت منيتها من تمام
تلك التي لو لا غرامي بها
كنت بسامرّا قليل المقام
هكذا روى ابن مهرويه عن ابن المدبّر، في خبر محمد بن صالح و تزويجه حمدونة.
قصته مع حمدونة زوجته
و حدّثني عمي عن أبي جعفر بن الدّهقانة النديم قال: حدثني إبراهيم بن المدبّر قال:
جاءني يوما محمد بن صالح الحسني العلويّ بعد أن أطلق من الحبس، فقال لي: إني أريد المقام عندك اليوم على خلوة، لأبثك من أمري شيئا لا يصلح أن يسمعه غيرنا. فقلت: أفعل. فصرفت من كان بحضرتي، و خلوت معه، و أمرت برد دابّته، و أخذ ثيابه؛ فلما اطمأن و أكلنا و اضطجعنا، قال لي: أعلمك أني خرجت في سنة كذا و كذا و معي أصحابي على القافلة الفلانية، فقاتلنا من كان فيها، فهزمناهم و ملكنا القافلة، فبينا أنا أحوزها و أنيخ الجمال، إذ طلعت عليّ امرأة/ من العماريّة [١]، ما رأيت قط أحسن منها وجها، و لا أحلى منطقا، فقالت: يا فتى، إن رأيت أن تدعو لي بالشريف المتولّي أمر هذا الجيش، فقلت: و قد رأيته و سمع كلامك. فقالت: سألتك بحق اللّه و حق رسوله صلّى اللّه عليه و سلّم أنت هو؟ فقلت: نعم و حق اللّه و حق رسوله إني لهو. فقالت: أنا حمدونة بنت عيسى بن موسى بن أبي خالد الحرّي، و لأبي محلّ من سلطانه، و لنا نعمة، إن كنت ممن سمع بها فقد كفاك ما سمعت، و إن كنت لم تسمع بها فسل عنها غيري، و و اللّه لا استأثرت عنك بشيء أملكه، و لك بذلك عهد اللّه و ميثاقه عليّ، و ما أسألك إلا أن تصونني و تسترني، و هذه ألف دينار معي لنفقتي، فخذها حلالا، و هذا حلي عليّ من خمس مائة دينار، فخذه و ضمّنّي ما شئت بعده، آخذه لك من تجار المدينة أو مكة أو أهل الموسم، فليس منهم أحد يمنعني شيئا أطلبه، و ادفع عني، و احمني من أصحابك، و من عار يلحقني. فوقع قولها من قلبي موقعا عظيما؛ فقلت لها: قد وهب اللّه لك مالك و جاهك و حالك، و وهب لك القافلة بجميع ما فيها. ثم خرجت فناديت في أصحابي، فاجتمعوا، فناديت فيهم [٢]: إني قد أجرت هذه القافلة و أهلها، و خفرتها و حميتها، و لها ذمة اللّه و ذمة رسوله و ذمتي، فمن أخذ منها خيطا أو عقالا فقد آذنته بحرب. فانصرفوا معي، و انصرفت.
فلما أخذت و حبست، بينا أنا ذات يوم في محبسي إذ جاءني السّجّان و قال لي: إن بالباب امرأتين تزعمان أنهما من أهلك، و قد حظر عليّ أن يدخل عليك أحد، إلا أنهما أعطتاني دملج ذهب، و جعلتاه لي إن أو صلتهما إليك، و قد أذنت لهما، و هما في الدهليز، فاخرج إليهما إن شئت. ففكرت فيمن يجيئني في هذا/ البلد/ و أنا به
[١] العمارية: لعله يريد المظلة، نسبة إلى العمارة، و هي رقعة مزينة تخاط في المظلة علامة على الرئاسة أو الوجاهة (انظر «تاج العروس»).
[٢] أ، م: فأعلمتهم.