الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣١٨ - أحيل الناس و أشجعهم و أجبنهم
قد خرجت من خيمتها، فجلست بين صواحب لها، ثم [١] دعت وليدة من ولائدها، فقالت: ادعي فلانا. فدعت لها برجل من الحي، فقالت له: إن نفسي تحدّثني أن خيلا تغير على الحي، فكيف أنت إن زوجتك نفسي؟ فقال: أفعل و أصنع، و جعل يصف نفسه فيفرط. فقالت له: انصرف حتى أرى رأيي. و أقبلت على صواحباتها، فقالت: ما عنده خير، ادعى لي فلانا. فدعت بآخر. فخاطبته بمثل ما خاطبت به صاحبه، فأجابها بنحو جوابه، فقالت له: انصرف حتى أرى رأيي. و قالت لصواحباتها: و لا عند هذا خير أيضا. ثم قالت للوليدة ادعي لي ربيعة بن مكدّم. فدعته، فقالت له مثل قولها للرجلين، فقال لها: إن أعجز العجز وصف المرء نفسه، و لكني إذا لقيت أعذرت، و حسب المرء غناء أن يعذر. فقالت له: قد زوّجتك نفسي، فاحضر غدا مجلس الحي، ليعلموا ذلك. فانصرف من عندها، و انتظرت حتى ذهب الليل، و لاح الفجر، فخرجت/ من مكمني، و ركبت فرسي، و قلت لخيلي: أغيري، فأغارت، و تركتها و قصدت نحو النسوة و مجلسهن، فكشفت عن خيمة المرأة، فإذا أنا بامرأة تامة الحسن. فلما ملأت بصرها مني، أهوت إلي درعها فشقته و قالت: وا ثكلاه؟ و اللّه ما أبكي على مال و لا تلاد، و لكن على أخت من وراء هذا القوز [٢]، تبقى بعدي في مثل هذا الغائط، فتهلك ضيعة، و أومأت بيدها إلى قوز رمل إلى جانبهم. فقلت:
هذه غنيمة من وراء غنيمة. فدفعت فرسي حتى أوفيت على الأيفاع، فإذا أنا برجل جلد نجد، أهلب [٣] أغلب، يخصف نعله، و إلى جنبه فرسه و سلاحه. فلما رآني رمى بنعله، ثم استوى على فرسه، و أخذ رمحه، و مضى و لم يحفل بي. فطفقت أشجره بالرمح خفقا [٤]، و أقول له: يا هذا استأسر [٥]. فمضى ما يحفل بي، حتى أشرف على الوادي. فلما رأى الخيل تحوي إبله استعبر باكيا، و أنشأ يقول:
قد علمت إذ [٦] منحتني فاها
أني سأحوي اليوم من حواها
بل ليت [٧] شعري اليوم من دهاها
فأجبته:
عمرو على طول الوجى [٨] دهاها
بالخيل يحميها على وجاها [٩]
حتى إذا حل بها احتواها [١٠]
فحمل عليّ و هو يقول:
[١] سقط من أ، م بقية أخبار ربيعة بن مكدم، و أول أخبار المغيرة بن شعبة.
[٢] القوز بالفتح: الرمل المستدير المرتفع.
[٣] الأهلب: الكثير شعر الرأس و الجسد. و عبارة المسعودي في «مروج الذهب» (ج ١ ص ٢١٨): فإذا أنا بغلام أصهب الشعر أهذب.
و لعله محرف عن أهلب أو أهدب بالدال، و هو الكثير شعر العينين.
[٤] شجره بالرمح: طعنه حتى اشتبك فيه. و الخفق: الضرب بشيء عريض، و لعله يريد أنه يضربه بزج الرمح لا بسنانه، أو لعله الضرب الخفيف، من الخفقة، و هي النعسة الخفيفة.
[٥] استأسر: كن أسيرا لي.
[٦] في «مروج الذهب»: أقول لما. و بعده «و ألبستني بكرة رداها».
[٧] كذا في ف، مب. و في الأصول: يا ليت. و في «مروج الذهب»: فليت.
[٨] الوجى: الحفا، و هو أن يرق القدم أو الحافر و ينسحج من طول السفر. و في «المروج» الردى.
[٩] في «المروج»: «بالخيل تتبعها على هواها».
[١٠] في «المروج» حواها.