الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٠٨ - مجلس المأمون و النضر بن شميل
/ قال: فأطرق المأمون مليّا، ثم قال: قبح اللّه من لا أدب له! ثم قال: أنشدني يا نضر أخلب بيت للعرب. قال:
قلت: قول حمزة بن بيض يا أمير المؤمنين:
تقول لي و العيون هاجعة:
أقم علينا يوما، فلم أقم
قالت: فأيّ الوجوه؟ قلت لها:
لأيّ وجه إلا إلى الحكم؟
متى يقل حاجبا سرادقه:
هذا ابن بيض بالباب، يبتسم
قد كنت أسلمت فيك مقتبلا
فهات إذ حلّ أعطني سلمي [١]
فقال المأمون: للّه درّك، كأنما شق لك عن قلبي! فأنشدني أنصف بيت للعرب. قال: قلت: قول أبي عروبة المدني [٢]:
إني و إن كان ابن عمي عاتبا [٣]
لمزاحم من خلفه و ورائه
و مفيده نصري و إن كنت [٤] امرأ
متزحزحا عن أرضه و سمائه
و أكون والي سره و أصونه
حتى يحين عليّ وقت أدائه
و إذا الحوادث أجحفت بسوامه
قرنت صحيحتنا إلى جربائه
و إذا دعا باسمي ليركب مركبا
صعبا قعدت له على سيسائه
و إذا أتى من وجهه بطريفة
لم أطّلع ممّا [٥] وراء خبائه
و إذا ارتدى ثوبا جميلا لم أقل:
يا ليت أن عليّ حسن ردائه
فقال: أحسنت يا نضر؛ أنشدني الآن أقنع بيت قالته العرب. فأنشدته قول ابن عبدل الأسديّ:
/
إني امرؤ لم أزل، و ذاك من الل
- ه قديما، أعلّم الأدبا
أقيم بالدار ما اطمأنت بي الدا
ر و إن كنت مازحا طربا
لا أجتوي خلّة الصديق و لا
أتبع نفسي شيئا إذا ذهبا
أطلب ما يطلب الكريم من
الرّزق بنفسي و أجمل الطلبا
و أحلب الثرة الصفي و لا
أجهد أخلاف غيرها حلبا
إني رأيت الفتى الكريم إذا
رغّبته في صنيعة رغبا
[١] أسلمت: أسلفت. يريد أنه قدم إليه مديحه و لم يأخذ جائزته. و مقتبلا: مستأنفا. و سلمى: سلفى، يري جائزتي. و في الأصول:
هات أدخلن ذا و اعطني سلمى
. [٢] كذا في ف و «معجم الأدباء» لياقوت «ترجمة النضر بن شميل». و في مب: ابن أبي عروبة. و في هامشها: المزني. و في «طبقات النحويين» للزبيديّ ص ٥٧ «عروبة المدني». و نسبت هذه الأبيات في «الحماسة» إلى الهذيل بن مشجعة البولاني «شرح التبريزي» طبعة الأميرية ٤: ١٠٤.
[٣] ف، مب: غائبا.
[٤] كذا في ف، مب. و في الأصول: و إن كان.
[٥] ف و الأصول: فيما.