الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٤٢ - شعره في محمد بن إسحاق لما تغير له
تعشق أبو الشيص محمد بن رزين قينة لرجل من أهل بغداد، فكان يختلف إليها، و ينفق عليها في منزل الرجل، حتى أتلف مالا كثيرا. فلما كفّ بصره، و أخفق، جعل إذا جاء إلى مولى الجارية حجبه، و منعه من الدخول، فجاءني أبو الشيص، فشكا إليّ وجده بالجارية، و استخفاف مولاها به، و سألني المضيّ معه إليه، فمضيت معه، فاستؤذن لنا عليه، فأذن، فدخلت أنا و أبو الشيص، فعاتبته في أمره، و عظّمت عليه حقه، و خوفته من لسانه و من إخوانه، فجعل له يوما في الجمعة يزورها فيه، فكان يأكل في بيته، و يحمل معه نبيذه و نقله، فمضيت معه ذات يوم إليها، فلما وقفنا على بابهم، سمعنا صراخا شديدا من الدار، فقال لي: ما لها تصرخ؟ أ تراه قد مات لعنه اللّه! فما زلنا ندق الباب حتى فتح لنا، فإذا هو قد حسر كميه و بيده سوط، و قال لنا: ادخلا، فدخلنا، و إنما حمله على الإذن لنا الفرق مني، فدخلنا و عاد الرجل إلى داخل يضربها، فاستمعنا عليه و اطلعنا، فإذا هي مشدودة على سلّم و هو يضربها أشد ضرب، و هي تصرخ، و هو يقول: و أنت أيضا فاسرقي الخبز. فاندفع أبو الشيص على المكان يقول في ذلك:
يقول و السوط على كفّه
قد حزّ في جلدتها حزّا
و هي على السّلّم مشدودة
« أنت أيضا فاسرقي الخبزا»
/ قال: و جعل أبو الشيص يردّدهما، فسمعهما الرجل، فخرج إلينا مبادرا، و قال له: أنشدني البيتين اللذين قلتهما، فدافعه، فحلف أنه لا بد من إنشادهما، فأنشده إياهما، فقال لي: يا أبا الحسن، أنت كنت شفيع هذا، و قد أسعفتك بما تحب، فإن شاع هذان البيتان فضحتني، فقل له يقطع هذا، و لا يسمعهما، و له علي يومان في الجمعة. ففعلت ذلك، و وافقته عليه، فلم يزل يتردد إليه يومين في الجمعة حتى مات.
شعره في جارية سوداء عشقها
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثني أحمد بن عبد الرّحمن الكاتب، عن أبيه قال:
كانت لأبي الشّيص جارية سوداء اسمها تبر، و كان يتعشقها، و فيها يقول:
لم تنصفي يا سمية الذّهب
تتلف نفسي و أنت في لعب
يا ابنة عم المسك الذكي و من
لو لاك لم يتخذ و لم يطب
ناسبك المسك في السواد و في الرّيح فأكرم بذاك من نسب
شعره في محمد بن إسحاق لما تغير له
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثنا عليّ بن محمد النّوفليّ، عن عمه قال:
كان أبو الشّيص صديقا لمحمد بن إسحاق بن سليمان الهاشميّ، و هما حينئذ مملقان، فنال محمد بن إسحاق مرتبة عند سلطانه، و استغنى، فجفا أبا الشيص، و تغير له،/ فكتب إليه:
الحمد للّه رب العالمين على
قربي و بعدك مني يا ابن إسحاق
يا ليت شعري متى تجدي عليّ و قد
أصبحت رب دنانير و أوراق
تجدي عليّ إذا ما قيل من راق
و التفت الساق عند الموت بالساق