الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٣٨ - كان السبب في غضب الرشيد على العباس بن محمد
كان السبب في غضب الرشيد على العباس بن محمد
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائنيّ قال:
امتدح ربيعة الرقيّ العباس بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن العباس، بقصيدة لم يسبق إليها حسنا، و هي طويلة يقول فيها:
صوت
لو قيل للعباس يا ابن محمد
قل: (لا) و أنت مخلّد ما قالها
ما إن أعدّ من المكارم خصلة
إلا وجدتك عمها أو خالها
/ و إذا الملوك تسايروا في بلدة
كانوا كواكبها و كنت هلالها [١]
إن المكارم لم تزل معقولة
حتى حللت براحتيك عقالها
/ في البيت الأول و البيت الأخير خفيف رمل بالوسطى، يقال إنه لإبراهيم. و يقال إنه للحسين بن محرز.
قال: فبعث إليه بدينارين، و كان يقدّر فيه ألفين، فلما نظر إلى الدينارين كاد يجن [٢] غيظا، و قال للرسول:
خذ الدينارين، فهما لك، على أن ترد الرقعة من حيث لا يدري العباس، ففعل الرسول ذلك، فأخذها ربيعة، و أمر من كتب في ظهرها:
مدحتك مدحة السيف المحلّى
لتجري في الكرام كما جريت
فهبها مدحة ذهبت ضياعا [٣]
كذبت عليك فيها و افتريت
فأنت المرء ليس له وفاء
كأني إذ مدحتك قد رثيت
ثم دفعها إلى الرسول، و قال له ضعها في الموضع الذي أخذتها منه. فردها الرسول في موضعها. فلما كان من الغد أخذها العباس، فنظر فيها، فلما قرأ الأبيات غضب، و قام من وقته، فركب إلى الرشيد، و كان أثيرا عنده، يبجّله و يقدمه، و كان قد همّ أن يخطب إليه ابنته، فرأى الكراهة في وجهه، فقال: ما شأنك؟ قال: هجاني ربيعة الرّقيّ.
فأحضر، فقال له الرشيد: يا ماصّ كذا و كذا من أمه، أ تهجو عمي، و آثر الخلق عندي، لقد هممت أن أضرب عنقك. فقال: و اللّه يا أمير المؤمنين، لقد مدحته بقصيدة ما قال مثلها أحد من الشعراء، في أحد من الخلفاء، و لقد بالغت في الثناء، و أكثرت في الوصف، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمره بإحضارها. فلما سمع الرشيد ذلك منه سكن غضبه، و أحب أن ينظر في القصيدة، فأمر/ العباس بإحضار الرقعة، فتلكأ عليه العباس ساعة، فقال له الرشيد: سألتك بحق أمير المؤمنين إلا أمرت بإحضارها، فعلم العباس أنه قد أخطأ و غلط، فأمر بإحضارها فأحضرت، فأخذها الرشيد و إذا فيها القصيدة بعينها، فاستحسنها و استجادها، و أعجب بها، و قال: و اللّه ما قال أحد من الشعراء في أحد من الخلفاء مثلها، لقد صدق ربيعة و برّ. ثم قال للعباس: كم أثبته عليها؟ فسكت العباس:
و تغير لونه، و جرض بريقه، فقال ربيعة: أثابني عليها يا أمير المؤمنين بدينارين، فتوهم الرشيد أنه قال ذلك من
[١] مب: و أنت هلالها.
[٢] ف، مب: غضبا.
[٣] ف: ضلالا.