الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٣٠ - مدحه الواثق بن أبي دواد
و نقوم له بما يجب له علينا. فلما فرغ من القصيدة نثر عليه ألف دينار، فلقطها الغلمان، و لم يمسّ منها شيئا، فوجد عليه عبد اللّه و قال: يترفع عن برّي، و يتهاون بما أكرمته به. فلم يبلغ ما أراده منه بعد ذلك.
تقدير أبي دلف لشعره
أخبرني أبو مسلم محمد بن بحر الكاتب و عمي، عن الحزنبل، عن سعيد بن جابر الكرخيّ، عن أبيه:
أنه حضر أبا دلف القاسم بن عيسى و عنده أبو تمام الطائيّ، و قد أنشده قصيدته:
/
على مثلها من أربع و ملاعب
أذيلت مصونات الدموع السواكب
فلما بلغ إلى قوله:
إذا افتخرت يوما تميم بقوسها
و زادت على ما وطّدت من مناقب
فأنتم بذي قار أمالت سيوفكم
عروش الذين استرهنوا قوس حاجب
محاسن من مجد متى تقرنوا بها
محاسن أقوام تكن كالمعايب
فقال أبو دلف: يا معشر ربيعة، ما مدحتم بمثل هذا الشعر قطّ، فما عندكم لقائله؟ فبادروه بمطارفهم يرمون بها إليه. فقال أبو دلف: قد قبلها و أعاركم لبسها، و سأنوب عنكم في ثوابه. تمّم القصيدة يا أبا تمام. فتممها، فأمر له بخمسين ألف درهم، و قال: و اللّه ما هي بإزاء استحقاقك و قدرك. فاعذرنا، فشكره و قام ليقبّل يده، فحلف ألا يفعل، ثم قال له: أنشدني قولك في محمد بن حميد:
و ما مات حتى مات مضرب سيفه
من الضرب و اعتلت عليه القنا السّمر
و قد كان فوت الموت سهلا فردّه
إليه الحفاظ المرّ و الخلق الوعر
فأثبت في مستنقع الموت رجله
و قال لها من تحت أخمصك الحشر
غدا غدوة و الحمد نسج ردائه [١]
فلم ينصرف إلا و أكفانه الأجر
كأن بني نبهان يوم مصابه
نجوم سماء خرّ من بينها البدر
يعزّون عن ثاو يعزّى به العلى
و يبكى عليه البأس و الجود و الشعر
فأنشده إياها، فقال: و اللّه لوددت أنها فيّ. فقال: بل أفدّي الأمير بنفسي و أهلي، و أكون المقدم،/ فقال: إنه لم يمت من رثي بهذا الشعر، أو مثله.
مدحه الواثق بن أبي دواد
أخبرني أبو الحسن الأسديّ قال: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال: حدّثني إسحاق بن يحيى الكاتب قال:
/ قال الواثق لأحمد بن أبي دواد: بلغني أنك أعطيت أبا تمام الطائيّ في قصيدة مدحك بها ألف دينار. قال:
لم أفعل ذلك يا أمير المؤمنين، و لكني أعطيته خمس مائة دينار رعاية للذي قاله للمعتصم:
فاشدد بهارون الخلافة إنه
سكن لوحشتها و دار قرار
[١] أ، م: حشو ردائه.