الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٣٤ - اتهامه بسرقة قصيدة
يمنى الزمان انقضى معروفها و غدت
يسراه و هي لنا من بعدها بدل
فبلغت الأبيات أبا العميثل شاعر آل عبد اللّه بن طاهر، فأتى أبا تمام، و اعتذر إليه لعبد اللّه بن طاهر، و عاتبه على ما عتب عليه من أجله، و تضمّن له ما يحبه. ثم دخل إلى عبد اللّه، فقال: أيها الأمير، أ تتهاون بمثل أبي تمّام و تجفوه؟
فو اللّه لو لم يكن له ماله من النباهة في قدره، و الإحسان في شعره، و الشائع من ذكره، لكان الخوف من شره، و التوقّي لذمه، يوجب على مثلك رعايته و مراقبته، فكيف و له بنزوعه إليك من الوطن، و فراقه السّكن، و قد قصدك عاقدا بك أمله، معملا إليك ركابه، متعبا فيك فكره و جسمه، و في ذلك ما يلزمك قضاء حقه، حتى ينصرف راضيا؛ و لو لم يأت بفائدة، و لا سمع فيك منه ما سمع إلا قوله:
تقول في قومس صحبي و قد أخذت
منا السّرى و خطا المهريّة القود [١]
أ مطلع الشمس تبغي أن تؤمّ بنا
فقلت كلّا و لكن مطلع الجود
/ فقال له عبد اللّه: لقد نبّهت فأحسنت، و شفعت فلطفت، و عاتبت فأوجعت، و لك و لأبي تمام العتبى، ادعه يا غلام. فدعاه، فنادمه يومه، و أمر له بألفي دينار، و ما يحمله من الظّهر، و خلع عليه خلعة تامة من ثيابه، و أمر ببذرقته [٢] إلى آخر عمله.
أبو تمام لاقط للمعاني
أخبرني جحظة قال: حدّثني ميمون بن هارون قال:
مرّ أبو تمام بمخنّث يقول الآخر: جئتك أمس فاحتجبت عني، فقال له: السماء إذا احتجبت بالغيم رجّي خيرها. فتبينت في وجه أبي تمام أنه قد أخذ المعنى، ليضمنه [٣] في شعره، فما لبثنا إلا أياما حتى أنشدت قوله:
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا
إنّ السماء ترجّى حين تحتجب
اتهامه بسرقة قصيدة
أخبرني أبو العباس أحمد بن وصيف، و أبو عبد اللّه أحمد بن الحسن بن محمد الأصبهاني ابن عمي، قال:
حدّثنا محمد بن موسى بن حماد قال:
كنا عند دعبل أنا و القاسم [٤]، في سنة خمس و ثلاثين و مائتين، بعد قدومه من الشأم، فذكرنا أبا تمام، فثلبه، و قال: هو سروق للشعر. ثم قال لغلامه: يا ثقيف، هات تلك المخلاة. فجاء بمخلاة فيها دفاتر، فجعل يمرّها على يده، حتى أخرج منها دفترا، فقال: اقرءوا هذا. فنظرنا فيه، قال مكنف أبو سلمى، من ولد زهير بن أبي سلمى، و كان هجا ذفافة العبسيّ بأبيات منها:
[١] قومس: صقع كبير بين خراسان و بلاد الجبل. و المهرية: الإبل المنسوبة إلى مهرة بن حيدان من اليمن، و كانت لا يعدل بها شيء في سرعتها (عن «تاج العروس»).
[٢] بذرقته: حراسته.
[٣] أ، م: لينظمه.
[٤] أ، م: و العمراوي.