الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٩١ - أعشى همدان يمدحه
دخل النعمان بن بشير المدينة في أيام يزيد بن معاوية و ابن الزبير، فقال: و اللّه لقد أخفقت أذناي من الغناء، فأسمعوني. فقيل له: لو وجهت إلى عزة الميلاء، فإنها من قد عرفت. فقال: إي و رب الكعبة، إنها لممن تزيد النفس طيبا، و العقل شحذا. ابعثوا إليها عن رسالتي، فإن أبت صرت إليها. فقال له بعض القوم: إن النقلة تشتدّ عليها، لثقل بدنها، و ما بالمدينة دابة تحملها. فقال النعمان بن بشير: و أين النجائب عليها الهوادج؟ فوجه إليها بنجب، فذكرت علة. فلما عاد الرسول إلى النعمان قال لجليسه: أنت كنت أخبر بها، قوموا بنا. فقام هو مع خواص أصحابه حتى طرقوها. فأذنت و أكرمت و اعتذرت، فقبل النعمان عذرها، و قال لها: غني، فغنت:
صوت [١]
أجدّ بعمرة غنيانها
فتهجر أم شاننا شانها
و عمرة من سروات النسا
ء تنفح بالمسك أردانها
قال: فأشير إليها أنها أمه، فأمسكت. فقال: غني، فو اللّه ما ذكرت إلا كرما و طيبا، و لا تغنّي سائر اليوم غيره. فلم نزل تغنيه هذا اللحن فقط حتى انصرف.
قال إسحاق: فتذاكروا هذا الحديث عند الهيثم بن عديّ، فقال: أ لا أزيدكم فيه طريفة؟ فقلنا: بلى، يا أبا عبد الرّحمن. فقال: قال لقيط و نحن عند سعيد الزبيريّ [٢]، قال عامر الشعبيّ:
اشتاق النعمان بن بشير إلى الغناء، فصار إلى منزل عزة الميلاء، فلما انصرف إذا امرأة بالباب منتظرة له. فلما خرج شكت إليه كثرة غشيان زوجها إياها، فقال النعمان: لأقضين بينكما بقضية لا تردّ عليّ، قد أحل اللّه له من النساء أربعا: مثنى، و ثلاث، و رباع، له مرتان [٣] بالنهار، و مرتان [٣] بالليل.
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، قال حدّثني عمي، عن العباس بن هشام [٤]، عن أبيه؛ و أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد، عن أبيه، عن الكلبي [٥]. و أخبرني عمي قال: حدّثنا الكرانيّ قال: حدّثني العمريّ عن الهيثم بن عديّ، قالوا:
أعشى همدان يمدحه
خرج أعشى همدان إلى الشام في ولاية مروان بن الحكم، فلم ينل فيها حظا؛ فجاء إلى النعمان بن بشير و هو عامل على حمص، فشكا إليه حاله. فكلم له النعمان اليمانية، و قال لهم: هذا شاعر اليمن و لسانها، و استماحهم له. فقالوا: نعم، يعطيه كل واحد منا دينارين من عطائه. فقال: أعطه دينارا، و اجعلوا ذلك معجلا. فقالوا له:
[١] صوت: ساقطة من الأصول غير ف، مب.
[٢] ف، مب: سعيد الزبيريّ.
[٣] مرتان: كذا في الموضعين بدون همز بين الراء و التاء في جميع الأصول المخطوطة، و هى لغة الحجاز بين الذين يفرّون من الهمز.
و في المطبوعتين ب، س: مرأتان. و في «الأغاني» (٩: ١٤) امرأتان. أو لعله تثنية مرة أي يأتيها مرتين نهارا، و مرتين ليلا، فكأنه يأتي أربع نساء، اثنتين ليلا، و اثنتين نهارا.
[٤] ف: العباس عن هشام. تحريف.
[٥] كذا في ف. و في الأصول: ابن الكلبي.