الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٢٣ - أول ما عرف من دهائه
رأيه، فإنما هي غنيمة من مشركين و أنا مسلم مصدّق بمحمد صلّى اللّه عليه و سلّم. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: أما إسلامك فنقبله [١]، و لا نأخذ من أموالهم شيئا، و لا نخمسها [١]، لأن هذا غدر، و الغدر لا خير فيه. فأخذني ما قرب و ما بعد، و قلت: يا رسول اللّه، إنما قتلتهم و أنا على دين قومي، ثم أسلمت حين دخلت عليك الساعة. قال: فإن الإسلام [٢]/ يجبّ ما كان قبله. و كان قتل منهم ثلاثة عشر إنسانا. فبلغ ذلك ثقيفا بالطائف، فتداعوا للقتال، ثم اصطلحوا على أن يحمل عمي عروة بن مسعود ثلاث عشرة دية.
قال المغيرة: و أقمت مع النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم حتى اعتمر عمرة الحديبية، في ذي القعدة سنة ست من الهجرة، فكانت أوّل سفرة خرجت معه فيها، و كنت أكون مع أبي بكر، و ألزم النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فيمن يلزم.
و بعثت قريش عام الحديبية عروة بن مسعود إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، فأتاه يكلمه، و جعل يمس لحية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و أنا قائم على رأسه، مقنّع في الحديد. فقلت لعروة، و هو يمس لحية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: اكفف يدك قبل ألا تصل إليك.
فقال عروة: يا محمد، من هذا؟ ما أفظّه و أغلظه! فقال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة. فقال عروة: يا عدوّ اللّه، ما غسلت عني سوأتك إلا بالأمس، يا غدر.
أول ما عرف من دهائه
أخبرني محمد بن خلف، قال: حدّثني أحمد [٣] بن الهيثم الفراسي، قال: حدّثنا العمريّ، عن الهيثم بن عديّ، عن مجالد، عن الشعبيّ، قال: قال المغيرة بن شعبة:
أوّل ما عرفني به العرب من الحزم [٤] و الدهاء، أني كنت في ركب من قومي، في طريق لنا إلى الحيرة. فقالوا لي: قد اشتهينا الخمر، و ما معنا إلا درهم زائف. فقلت: هاتوه و هلمّوا زقّين. فقالوا: و ما يكفيك لدرهم زائف زق واحد؟ فقلت: أعطوني ما طلبت و خلاكم ذم، ففعلوا و هم يهزءون بي. فصببت في أحد الزقين شيئا من ماء، ثم جئت إلى خمار، فقلت له: كل لي ملء هذا الزق. فملأه. فأخرجت الدرهم الزائف، فأعطيته إياه، فقال لي: ما هذا؟ ويحك! أ مجنون أنت؟ فقلت: مالك؟ قال: إن ثمن هذا الزق عشرون درهما جيادا، و هذا درهم زائف.
فقلت: أنا رجل بدويّ، و ظننت أن هذا يصلح كما ترى، فإن صلح، و إلا فخذ شرابك. فاكتال مني ما كاله، و بقي في زقي من الشراب بقدر ما كان فيه من الماء، فأفرغته في الزق الآخر، و حملتهما على ظهري، و خرجت، و صببت في الزق الأوّل ماء.
و دخلت إلى خمار آخر، فقلت: إني أريد ملء هذا الزق خمرا، فانظر إلى ما معي منه، فإن كان عندك مثله فأعطني. فنظر إليه، و إنما أردت ألا يستريب بي إذا رددت الخمر عليه. فلما رآه قال: عندي أجود منه. قلت:
هات. فأخرج لي شرابا، فاكتلته في الزق الذي فيه الماء. ثم دفعت إليه الدرهم الزائف، فقال لي مثل قول صاحبه.
(١- ١) ف: فقبلته ... و لا أخمسه.
[٢] إلى هنا ينتهي الساقط من بعض النسخ.
[٣] ج: محمد.
[٤] ج، ف، مب: بالحزم.