الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣١٦ - أحيل الناس و أشجعهم و أجبنهم
ثم مضيت فأصبحت بين دكادك [١] هرشى [٢] إلى غزال [٣]، فنظرت إلى أبيات،/ فعدلت إليها، فإذا فيها جوار ثلاث، كأنهن نجوم الثريا. فبكين حين رأينني، فقلت: ما يبكيكن؟ فقلن: لما ابتلينا به منك، و من ورائنا أخت هي أجمل منا. فأشرفت من فدفد، فإذا بمن لم أر شيئا قط أحسن من وجهه، و إذا بغلام يخصف نعله، عليه ذؤابة يسحبها. فلما نظر إليّ وثب على الفرس مبادرا، ثم ركض، فسبقني إلى البيوت، فوجدهن قد ارتعن، فسمعته يقول لهن:
مهلا نسيّاتي إذن لا ترتعن
إن يمنع اليوم نساء تمنعن
أرخين أذيال المروط و ارتعن [٤]
فلما دنوت منه، قال: أ تطردني أم اطردك؟ قلت: أطردك. فركض و ركضت في أثره، حتى إذا مكنت السنان [٥] في لفتته- و اللفتة أسفل من الكتف- اتكأت عليه، فإذا هو و اللّه مع/ لبب [٦] فرسه، ثم استوى في سرجه. فقلت: أقلني.
قال: اطرد. فتبعته حتى إذا ظننت أن السنان في ماضغيه اعتمدت عليه، فإذا هو و اللّه قائم على الأرض، و السنان ماض زالج. و استوى على فرسه، فقلت: أقلني. قال: اطرد. فطردته، حتى إذا مكنت السنان في متنه، اتكأت عليه و أنا أظن أني قد فرغت منه، فمال في ظهر فرسه [٧] حتى نظرت إلى يديه [٨] في الأرض، و مضى السنان زالجا. ثم استوى و قال: أبعد ثلاث؟ تريد ما ذا؟ اطردني ثكلتك أمك. فوليت و أنا مرعوب منه. فلما غشيني و وجدت حسن السنان، التفت فإذا هو يطردني بالرمح بلا سنان،/ فكف عني و استنزلني، فنزلت و نزل، فجز ناصيتي، و قال:
انطلق، فإني أنفس بك عن القتل. فكان ذلك و اللّه يا أمير المؤمنين عندي أشد من الموت؛ فذاك أشجع من رأيت.
و سألت عن الفتى، فقيل: ربيعة بن مكدم الفراسي، من بني كنانة.
و قد أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري هذا الخبر و فيه خلاف للأول. قال: حدّثنا عمر بن شبة، قال:
حدّثني محمد بن موسى الهذلي، قال: حدّثني سكين بن محمد، قال:
دخل عمرو بن معد يكرب على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فقال له: يا أبا ثور، من أين أقبلت؟ قال:
من عند سيد بني مخزوم، أعظمها هامة، و أمدّها قامة، و أقلها ملامة، و أفضلها حلما، و أقدمها سلما، و أجرؤها مقدما. قال: و من هو؟ قال: سيف اللّه و سيف رسوله [٩]، قال: و أيّ شيء صنعت عنده؟ قال: أتيته زائرا، فدعا لي بكعب و قوس و ثور [١٠]. فقال عمر: و أبيك إن في هذا لشبعا. قال: لي أو لك يا أمير المؤمنين؟ قال: لي و لك. قال
[١] الدكادك: جمع دكدك، و هو ما تلبد من الرمل بعضه على بعض بالأرض، و لم يرتفع كثيرا.
[٢] هرشى: هضبة ململمة لا تنبت شيئا، على ملتقى طريق الشام و طريق المدينة إلى مكة.
[٣] غزال: واد بين هرشى و الجحفة.
[٤] ( «اللسان» حلق): رخين أذيال الحقى. و في «شرح التبريزي للحماسة» (٤: ١٥٩): أسبلن أذيال الحقى و اربعن. و الحقى: جمع حقو، و هو الإزار. و زاد «اللسان» بيتا رابعا هو «مشى حميات كأن لم يفزعن». و ترتيب الأبيات مختلف فيه عنه في «الأغاني».
[٥] من هنا يتصل الكلام في م بعد انقطاعه بمقدار اثنتي عشرة صفحة من صفحات س.
[٦] لبب الفرس: نحره.
[٧] في الأصول عدا ف: فمال في سرجه.
[٨] في الأصول عدا ف: بدنه.
[٩] يريد خالد بن الوليد.
[١٠] الكعب: الصبة من السمن. و القوس: ما يبقى في أصل الجلة من التمر. و الثور: الكتلة من الأقط ( «لسان العرب»: كعب).