الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٦١ - رفق الحكم و دهاؤه
و أنشر من تحت القبور أبوّة
كراما هم شدّوا عليّ التّمائما
لعبت على أكتافهم و حجورهم
وليدا و سمّوني مفيدا [١] و عاصما
ألا أينا ما كان شرا لمالك
فلا زال في الدنيا ملوما و لائما
قال: و وثب الحطيئة، فقال:
ما يحبس الحكّام بالفصل [٢] بعد ما
بدا سابق ذو غرّة و حجول
/ و قال أيضا:
يا عام قد كنت ذا باع و مكرمة
لو أن مسعاة من جاريته أمم
جاريت قرما أجاد الأحوصان به
سمح اليدين و في عرنينه شمم
لا يصعب الأمر إلا ريث [٣] يركبه
و لا يبيت على مال له قسم
هابت بنو مالك مجدا و مكرمة
و غاية كان فيها الموت لو قدموا
و ما أساءوا فرارا عن مجلّحة [٤]
لا كاهن يمتري فيها و لا حكم
رفق الحكم و دهاؤه
قال: و أقام القوم عنده أياما، و أرسل إلى عامر، فأتاه سرا، لا يعلم به علقمة فقال: يا عامر، قد كنت أرى لك رأيا، و أن فيك خيرا، و ما حبستك هذه الأيام إلا لتنصرف عن صاحبك. أ تنافر رجلا لا تفخر أنت و قومك إلا بآبائه؟ فما الذي أنت به خير منه؟
قال عامر: أنشدك اللّه و الرّحم أن لا تفضّل عليّ علقمة، فو اللّه لئن فعلت لا أفلح بعدها أبدا. هذه ناصيتي فاجززها. و احتكم في مالي، فإن كنت لا بدّ فاعلا فسوّ بيني و بينه. قال: انصرف، فسوف أرى رأيي. فخرج عامر و هو لا يشك أنه ينفّره عليه.
ثم أرسل إلى علقمة سرّا، لا يعلم به عامر، فأتاه فقال: يا علقمة، و اللّه إن كنت لأحسب فيك خيرا، و أن لك رأيا، و ما حبستك هذه الأيام إلا لتنصرف عن صاحبك. أ تفاخر رجلا هو ابن عمك في النسب؟ و أبوه أبوك، و هو مع هذا أعظم قومك غناء، و أحمدهم لقاء؟ فما الذي أنت به خير منه؟ فقال له علقمة: أنشدك اللّه و الرّحم ألّا تنفّر عليّ عامرا. اجزز ناصيتي، و احتكم في مالي،/ و إن كنت لا بد أن تفعل فسوّ بيني و بينه. فقال: انصرف فسوف أرى رأيي. فخرج و هو لا يشك أنه سيفضّل عليه عامرا.
قال أبي: و سمعت أن هرما قال لعامر حين دعاه: يا عامر، كيف تفاضل علقمة؟ فقال عامر: و لم يا هرم؟
و شرحه فيه، أي أجعل أقواما مجتمعين فرقا.
[١] كذا في ف. و في بقية الأصول: وليدا.
[٢] كذا في الأصول، و في ف: بالفضل.
[٣] ف: حيث.
[٤] المجلحة: المصيبة التي تستأصل كل شيء. و في ف: مجلجلة، أي مدوية بعيدة الذكر.