الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤١٣ - يعاتب مخلد بن زيد لتأخيره مكافأته فيرضيه
و قد كان دهرا واصلا لي مودة
و يمنعني من صرف دهري أضرع [١]
و أعقبني صرما على غير إحنة
و بخلا و قدما كان لي يتبرع
و غيّره ما غيّر الناس قبله
فنفسي بما يأتي به ليس تقنع
ثم كتبها في قرطاس و ختمه، و بعث به مع رجل، فدفعه إلى غلامه، فدفعه الغلام إليه، فلما قرأه سأل الغلام: من صاحب الكتاب؟ قال: لا أعرفه. فأدخل إليه الرجل، فقال: من أعطاك هذا الكتاب؟ و من بعث به معك؟ قال: لا أدري، و لكن من صفته كذا و كذا، و وصف صفة ابن بيض، فأمر به فضرب عشرين سوطا على رأسه، و أمر له بخمس مائة درهم، و كساه، و قال: إنما ضربناك أدبا لك، لأنك حملت كتابا لا تدري ما فيه، لمن لا تعرف، فإياك أن تعود لمثلها. قال الرجل: لا و اللّه، أصلحك اللّه، لا أحمل كتابا لمن أعرف، و لا لمن/ لا أعرف. قال له مخلد:
احذر، فليس كل أحد يصنع بك صنيعي؛ و بعث إلى ابن بيض، فقال له: أ تعرف ما لحق صاحبك الرجل؟ قال: لا.
فحدثه مخلد بقصته، فقال ابن بيض: و اللّه، أصلحك اللّه، لا تزال نفسه تتوق إلى العشرين/ سوطا مع الخمس مائة أبدا. فضحك مخلد، و أمر له بخمسة آلاف درهم، و خمسة أثواب، و قال: و أنت و اللّه لا تزال نفسك تتوق إلى عتاب إخوانك أبدا. قال: أجل و اللّه، و لكن من لي بمثلك يعتبني إذا استعتبته، و يفعل بي مثل فعلك؟ ثم قال:
و أبيض بهلول إذا جئت داره
كفاني و أعطاني الذي جئت أسأل
و يعتبني يوما إذا كنت عاتبا
و إن قلت، زدني: قال: حقّا سأفعل
تراه إذا ما جئته تطلب الندى
كأنك تعطيه الذي جئت تسأل
فاللّه أبناء المهلّب فتية
إذا لقحت حرب عوان تأكّل
هم يصطلون الحرب و الموت كانع
بسمر القنا و المشرفية من عل [٢]
ترى الموت تحت الخافقات أمامهم
إذا وردوا علّوا الرماح و أنهلوا
يجودون حتى يحسب الناس أنهم
لجودهم نذر عليهم يحلّل [٣]
غيوث لمن يرجو نداهم وجودهم
سمام لأقوام ذعاف يثمّل [٤]
وفى لي أبناء المهلّب إنهم
إذا سئلوا المعروف لم يتسعّلوا [٥]
فذلك ميراث المهلّب إنه
كريم نماه للمكارم أوّل
جرى و جرت آباؤه فتحرّزوا
عن الذمّ في عيطاء لا تتوقّل [٦]
[١] رواية البيت في الأصول عدا ف.
... بوده
و معروفه يعدو البريد المفرع
. [٢] كانع: قريب، متجمع للوثبة، مترقب.
[٣] ف، مب: محلل.
[٤] ذعاف: قاتل من ساعته. و يثمل: سم نقع أياما حتى اختمر. و في الأصول: صحاة و ثمل.
[٥] ف: لم يتنسلوا. مب: يتبسلوا: أي يتجهموا.
[٦] العيطاء: الهضبة المرتفعة. و تتوقل: يصعد فيها.