الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٤٨ - يرثي أبا عبيدة بن عبد الله بن زمعة
غنى في هذه الأبيات الدارميّ خفيف رمل بالوسطى عن الهشامي؛ و فيه لعريب خفيف ثقيل مطلق، و هو الذي يغني الآن، و يتعارفه الناس.
يرثي أبا عبيدة بن عبد اللّه بن زمعة
أخبرني عيسى بن الحسين، قال: حدّثنا الزبير، قال: حدّثني سليمان بن عياش السعديّ، قال:
كان الخارجيّ منقطعا إلى أبي عبيدة بن عبد اللّه بن زمعة، و كان يكفيه مئونته، و يفضل عليه، و يعطيه في كل سنة ما يكفيه و يغنيه، و يغني قومه و عياله، من البرّ و التمر و الكسوة في الشتاء و الصيف، و يقطعه القطعة بعد القطعة من إبله و غنمه، و كان منقطعا إليه و إلى زيد بن الحسن، و ابنه الحسن بن زيد، و كلهم به برّ، و إليه محسن. فمات أبو عبيدة، و كان ينزل الفرش من ملل، و كان الخارجي ينزل الروحاء، فقال يرثيه:
ألا أيها الناعي ابن زينب غدوة
نعيت الندى دارت عليه [١] الدوائر
لعمري لقد أمسى قرى الضيف عاتما [٢]
بذي الفرش لما غيبتك المقابر
/ إذا سوفوا نادوا صداك و دونه
صفيح و خوّار من الترب مائر
ينادون من أمسى تقطّع دونه
من البعد أنفاس الصدور الزوافر
فقومي اضربي عينيك يا هند لن ترى
أبا مثله تسمو إليه المفاخر
قال الزبير: فحدّثني سليمان بن عياش، قال:
كانت هند بنت أبي عبيدة عند عبد اللّه بن حسن بن حسن، فلما مات أبوها جزعت عليه جزعا شديدا، و وجدت وجدا عظيما، فكلم عبد اللّه بن الحسن محمد بن بشير الخارجيّ أن يدخل إليها، فيعزيها و يسليها [٣] عن أبيها، فدخل إليها معه. فلما نظر إليها صاح بأعلى صوته:
قومي اضربي عينيك يا هند لن تري
أبا مثله تسمو إليه المفاخر
و كنت إذا فاخرت أسميت والدا
يزين كما زان اليدين الأساور
فإن تعوليه يشف يوما عويله
غليلك أو يعذرك بالنوح عاذر
و تحزنك ليلات طوال و قد مضت
بذي الفرش ليلات تسر قصائر
فلقاه رب يغفر الذنب رحمة
إذا بليت يوم الحساب السرائر
إذا ما ابن زاد الركب [٤] لم يمس ليلة
قفا صفر لم يقرب الفرش زائر
لقد علم الأقوام أن بناته
صوادق إذ يندبنه و قواصر
[١] عليه: كذا في ف. و في سائر الأصول: عليك.
[٢] عاتما: بطيئا مؤخرا. و انظر بعض هذه الأبيات في «معجم ما استعجم» للبكري في رسم (ملل).
[٣] ف، مب: و يؤسيها. و الأبيات التالية متصلة بسابقتها.
[٤] زاد الركب هنا زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد جد أبي عبيدة. و أزواد الركب: لقب ثلاثة من قريش: مسافر بن أبي عمرو، و أبو أمية بن المغيرة، و زمعة هذا، لقبوهم بذلك لأنهم لم يكن يتزود معهم أحد في سفر: يطعمونه و يكفونه الزاد و يغنونه. و صفر: جبل أحمر كريم المغرس بالفرش. و الفرش: موضع بين المدينة و ملل، يقال له فرش ملل. و البيت ساقط من الأصول ما عدا ف، مب.