إنارة الدجى في مغازي خير الورى(ص) - المشاط المالكي - الصفحة ٣٩٦ - طلبهم أبا لبابة و قصته معهم، و توبته رضي اللّه عنه
فتاب من هفوته اللّه عليه* * * و حلّه خير الأنام بيديه
قال أبو لبابة: فكنت في أمر عظيم، في حرّ شديد عدّة ليال، لا آكل فيهنّ شيئا و لا أشرب، و قلت: لا أزال هكذا حتى أفارق الدنيا؛ أو يتوب اللّه عليّ.
(فتاب من هفوته) أي: زلته (اللّه) عزّ و جلّ (عليه) أي:
على أبي لبابة، و نزل على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من السحر و هو في بيت أم سلمة قوله تعالى: وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فقالت أم سلمة: فسمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من السّحر و هو يضحك، فقلت: يا رسول اللّه؛ ممّ تضحك! أضحك اللّه سنّك، قال: «تيب على أبي لبابة» قلت: أ فلا أبشّره يا رسول اللّه؟ قال:
«بلى، إن شئت» فقامت على باب حجرتها- و ذلك قبل أن يضرب عليهنّ الحجاب- فقالت: يا أبا لبابة؛ أبشر، فقد تاب اللّه عليك، فثار الناس إليه ليطلقوه، فقال: لا و اللّه؛ حتى يكون رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) هو الذي يطلقني بيده، فلمّا مرّ عليه خارجا إلى صلاة الصبح .. أطلقه كما قال: (و حلّه خير الأنام بيديه).
قال الزّرقاني عن السّهيلي: (فإن قيل: إنّ الآية ليست نصّا في توبة اللّه عليه أكثر من قوله تعالى: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ؟
فالجواب: أن «عسى» منه سبحانه واجبة، و خبر صدق.