نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٦ - ٨ الجذوعي القاضي يشهد على الخليفة المعتمد
فقال: نعم، فشهد في الكتاب، ثم خرج.
فقال المعتمد: من هذا؟ فقيل له: هذا الجذوعي البصري.
فقال: و ما إليه؟ فقالوا: ليس إليه بشيء.
فقال: مثل هذا لا يكون مصروفا، فقلّدوه واسطا.
فقلّده إسماعيل، و انحدر.
فاحتاج يوما إلى مشاورة الحاكم، فيما يشاور في مثله، فقال: استدعوا القاضي، فحضر، و كان قصيرا، و له دنيّة [١] طويلة، فدخل في بعض الممرّات و معه غلام له، فلقيه غلام كان للموفّق [٢] ، و كان شديد التقدّم عنده، و كان مخمورا، أو سكرانا، فصادفه في مكان كان خاليا من الممرّ، فوضع يده على دنيّته، حتى غاص رأسه فيها، و تركه و مضى.
فجلس الجذوعي في مكانه، فأقبل غلامه، حتى فتقها، و أخرج رأسه منها، و ثنى رداءه على رأسه، و عاد إلى داره، و أحضر الشهود، و أمرهم بتسلّم الديوان، و رسل الموفّق يتردّدون، و قد سترت الحال عنه. حتى قال بعض الشهود، لبعض الرسل، الخبر، فعاد إلى الموفق، فأخبره بذلك.
فأحضر صاحب الشرطة، و أمره بتجريد الغلام، و حمله إلى القاضي، و ضربه هناك ألف سوط.
و كان والد هذا الغلام من جلّة القوّاد، و محلّه محلّ من لو همّ بالعصيان أطاعه أكثر الجيش، فترجّل القوّاد، و صاروا إليه، و قالوا: مرنا بأمرك،
[١] الدنية: عمامة تشبه الدن في شكلها، كانت تلبسها القضاة.
[٢] الأمير الموفق طلحة: ترجمته في حاشية القصة ١/٧٣ من النشوار.