نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٨٥ - ٣٦ القاضي أبو عمر و حسن تصرّفه و وفور عقله
قلنا: بلى.
قال: كيف رأيتم ما شاهدتم اليوم؟ قلنا: أحسن منظر.
قال: إنّه لم يذهب[١٣٣ ط]عليّ ما فكّرتم فيه، و لكنّي علمت أنّه لو شكوتهم، كنت بين أمور:
إن لم يقع إنكار، فتنخرق هيبتي، و يبطل جاهي، و يطمع كلّ أحد فيّ، و يجر عليّ ذلك أمورا كبارا.
أو وقع إنكار ضعيف، كان ذلك إغراء لهم.
أو وقع إنكار قويّ، صاروا كلّهم أعدائي، و تنقّصوني، و عاداني بعداوتهم من فوقهم من الخدم، و لهم بالسلطان خلوات ليست لي، فيولّدون عليّ عنده من الحكايات و السعايات، ما يفسد عليّ رأيه في مديدة.
و إنّي علمت أنهم ما قصدوني بهذا لشيء بيني و بينهم، و إنّما هي طاعة منهم، للخادم الذي هو رئيس عليهم، و أنّ ما حمله على ذلك، ما كان طمع في أخذه على قضاء الحاجة التي سألني فيها فرددته.
و علمت أنّي إذا عوّضته و استصلحته، صلح لي جميع هؤلاء.
فعملت ما رأيت، فانصلح هؤلاء، و جميع الخدم، و أمنت عداوتهم، و عادوا يكذّبون أنفسهم فيما رموني به ذلك اليوم، و يخاطبوني بضدّه، بحضرة أكثر من كانوا خاطبوني ذلك اليوم بالقبيح بحضرته، و صاروا لي خدما، و زاد ذلك في محلي، أن يرى أعدائي، خدم الخليفة، يخدمونني، و يدعون لي، و لم يكن الخليفة، لو بلغ غاية الإنكار عليهم، يأمرهم بهذا من خدمتي.
و ما علم الغرباء، لأيّ سبب رضوا عني، و فعلوا بي هذا، و يجوز