نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٧٤ - ٣١ الخليفة الواثق، يهمل بعد موته فيأكل الحرذون عينيه
فسلمت، و خرجت، و استدعيت سيفا و منطقة أخرى، و لبستها و جئت حتى وقفت في مرتبتي ساعة. فتلف الواثق تلفا لم تشكّ جماعتنا فيه، فتقدّمت فشددت لحييه، و غمّضته، و سجّيته، و وجهته إلى القبلة، و جاء الفرّاشون، و أخذوا ما تحته في المجلس، ليردّوه إلى الخزانة، لأنّ جميعه مثبت عليهم، و ترك وحده في البيت.
فقال لي ابن أبي دؤاد القاضي: إنّا نريد أن نتشاغل بعقد البيعة، و لا بدّ أن يكون أحدنا يحفظ الميت إلى أن يدفن، فأحبّ أن تكون أنت ذلك الرجل.
و قد كنت من أخصّهم به في حياته، و ذلك أنّه اصطنعني، و اختصّني، حتى لقّبني الواثقيّ، باسمه، فحزنت عليه حزنا شديدا، و قلت: دعوني، و امضوا.
فرددت باب المجلس، و جلست في الصحن، عند الباب أحفظه، و كان المجلس في بستان عظيم، أجربة، و هو بين بستانين.
فحسست بعد ساعة، في البيت، بحركة عظيمة أفزعتني، فدخلت أنظر ما هي، فإذا بحرذون [١] قد أقبل من جانب البستان، و قد جاء حتى استلّ عيني الواثق، فأكلهما.
فقلت: لا إله إلاّ اللّه، هذه العين التي فتحها منذ ساعة، فاندقّ سيفي هيبة لها، صارت طعمة لدابّة ضعيفة.
قال: و جاءوا فغسلوه بعد ساعة، فسألني ابن أبي دؤاد، عن سبب عينيه، فأخبرته.
قال: و الحرذون، دابّة أكبر من اليربوع قليلا [٢] .
[١] الحرذون: من الزحافات و هو أكبر من السحلية يسمى في جزيرة العرب بالحبينة (معجم الحيوان للمعلوف ص ٦ و ٢٢٦) .
[٢] انفردت بها ط، و نقلها الخطيب في تاريخ بغداد ١٤/٢٠.